السبت 31 يناير 2026 03:52 مـ 12 شعبان 1447هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب:-حين تتحوّل العِشرة إلى واجب

أخبار مصر 2050

حين تتحوّل العِشرة إلى واجب

في بدايات العلاقات، لا يحتاج الحب إلى تفسير، ولا يطلب الاهتمام إذنًا، ولا يُحاسَب الشوق على توقيته. كل شيء يأتي بعفوية القلب، بلا حسابات، بلا تذكير، بلا شعور بالثِقَل. كانت الكلمة تُقال لأنه لا يمكن كتمانها، وكانت اللمسة تُمنح لأنها حاجة لا لأنّها التزام. لكن مع مرور الزمن، ومع تراكم التفاصيل، يحدث التحوّل الخفي… حين تتحوّل العِشرة من روحٍ تُعاش إلى واجبٍ يُؤدّى.
التحوّل لا يحدث فجأة، ولا يُعلن عن نفسه بصوتٍ عالٍ. يأتي زاحفًا، هادئًا، متخفّيًا خلف انشغالات الحياة، وضغوط العمل، ومسؤوليات الأيام. يبدأ حين يصبح السؤال عن الحال روتينًا، لا شوقًا، وحين تُقال كلمة “اطمئن” من باب الذوق لا من باب القلق الحقيقي. يبدأ حين يصبح الحضور الجسدي بديلاً عن الحضور القلبي، وحين يُظَنّ أن البقاء وحده دليل كافٍ على الحب.
العِشرة حين كانت حبًا، كانت تُروى بالاهتمام، تُزهر بالكلمة، وتكبر بالاحتواء. أما حين تتحوّل إلى واجب، فإنها تعيش على الحدّ الأدنى من الحياة. لا تموت تمامًا، لكنها لا تزدهر أيضًا. تبقى واقفة في منتصف الطريق، لا هي غياب يحرّر، ولا هي حضور يُطمئن. مجرد “استمرار” بلا نبض.
أقسى ما في تحوّل العِشرة إلى واجب، أن أحد الطرفين يستيقظ يومًا ليكتشف أنه لم يعُد يُفتقد، بل يُتوقَّع. لم يعُد يُشتاق إليه، بل يُنتظر بحكم العادة. يصبح وجوده مفروغًا منه، كالماء في البيت… لا يُقدَّر إلا عند انقطاعه. وحين يشعر الإنسان أنه أصبح “مضمونًا” أكثر مما هو “مرغوب”، يبدأ قلبه في الانكماش بصمت.

الواجب في العلاقات يُطفئ الدفء دون أن يُحدث ضجيجًا. يحوّل العطاء إلى أداء، والاهتمام إلى وظيفة، والمشاعر إلى التزام ثقيل. يُصبح الطرف الطيب هو الأكثر إرهاقًا، لأنه يعطي بدافع القلب، بينما يتلقى بدافع الواجب. ومع الوقت، يشعر وكأنه يسكب روحه في كوبٍ مثقوب، لا يمتلئ مهما أعطى.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية… أن الحب لا ينتهي بالخصام دائمًا، بل كثيرًا ما ينتهي بالبرود. لا ينتهي بالصراخ، بل بالصمت. لا ينتهي بالقطيعة، بل بالبقاء الخالي من المعنى. حين تتحوّل العِشرة إلى واجب، يصبح “كل شيء موجودًا”… إلا القلب.

اقرأ أيضاً

البيوت التي يسكنها الواجب أكثر من الحب، تكون هادئة من الخارج، متصدعة من الداخل. لا تطاير فيها كؤوس، ولا تُغلق فيها الأبواب بعنف، لكنها تمتلئ بأشياء لا تُرى: فتور، غصّة، خيبة، وجع مؤجَّل. يعيش أهلها كأنهم يؤدون أدوارهم بامتياز، لكن دون روح. زوجٌ يؤدي، وزوجة تؤدي، وأسرة تؤدي… بلا دفء حقيقي.

العِشرة الحقيقية لا تعيش على الواجب، بل على الرغبة الصادقة في البقاء. على أن يسأل أحدهم عن الآخر لأنه يريده بخير، لا لأنه “يجب” أن يسأل. على أن يُقدَّم الاهتمام لأنه اشتياق، لا لأنه بند في قائمة الالتزامات. الحب حين يُختصر في الواجب، يفقد جوهره، ويصبح نسخة باهتة من نفسه.

والمؤلم أكثر، أن بعض الناس لا يكتشفون تحوّل العِشرة إلى واجب إلا بعد أن يفقدوا القدرة على الترميم. حين يكون القلب قد تعب، والروح قد أُرهقت، والمشاعر قد استُهلكت في الانتظار، والتبرير، وتحمل البرود باسم “العِشرة”.
العِشرة لا تُحفظ بالصبر وحده، ولا بالاعتياد، ولا بطول السنوات. تُحفظ بالانتباه، بالتقدير، بالخوف الجميل من أن نخسر قلبًا أحبنا يومًا بصدق. تُحفظ حين نعامل من معنا وكأنه اختيارنا كل يوم، لا فرضًا أُضيف إلى حياتنا بلا روح.

لأن أخطر ما يهدد العلاقات ليس الخيانة فقط، بل الاعتياد القاتل، والبرود المتراكم، وتحويل المشاعر إلى واجبات. فالعِشرة حين تفقد روحها، قد تبقى شكلًا… لكنها من الداخل تكون قد ماتت
حين تتحول العِشرة إلى واجب، نفقد أجمل ما فيها دون أن نشعر… نفقد الدفء الذي كان يُقدَّم بلا مقابل، ونفقد الشوق الذي كان يسبق اللقاء، ونفقد تلك اللهفة الخفية التي كانت تُغطّي أرواحنا قبل أجسادنا. يصبح كل شيء مؤدّى بنظام شديد الانضباط… في موعده، بحدوده، وبلا روح. وكأن القلوب دخلت نوبة عمل، تؤدي الحد الأدنى المطلوب منها فقط كي لا تُدان بالتقصير.

أقسى ما في تحوّل العِشرة إلى واجب، أنك لا تستطيع أن تُعاتب أحدًا بوضوح؛ لأن الطرف الآخر لم يقصّر ظاهريًا… هو موجود، يفعل المطلوب، يحضر في المناسبات، ويتكلم عند الضرورة. لكنه غائب حيث يجب أن يكون حاضرًا فعلًا… غائب في الاحتواء، في الاهتمام، في تلك اللمسة التي لا تُطلب، وفي السؤال الذي يأتي دون مناسبة.
الوجع الحقيقي ليس في الجفاء الصريح، بل في هذا البرود المُهذّب… في ذلك الصمت المتفق عليه دون اتفاق، في العلاقة التي لم تنتهِ رسميًا لكنها انتهت شعوريًا منذ زمن. أن تعيش مع شخص لا يؤذيك، لكنه كذلك لا يُحييك. لا يكسرك، لكنه أيضًا لا يُرمّمك.

وحين تتحول العِشرة إلى واجب، يبدأ الإنسان في فقدان نفسه قبل أن يفقد الآخر… يفقد صوته الحقيقي، وضحكته العفوية، وراحته التي لم يكن يحتاج لتبريرها. ويبدأ في السؤال المؤلم:
هل نحن معًا لأننا نحب فعلًا؟
أم لأن الرحيل صار أثقل من البقاء؟
العِشرة لا تُقاس بطول السنوات، بل بعمق الشعور. فقد يعيش اثنان معًا عمرًا كاملًا دون أن يلتقيا روحيًا مرة واحدة، وقد يلتقي قلبان في لحظة واحدة تكفي لعمر. والعلاقات التي تعيش على الواجب فقط، تُشبه البيوت التي تُضاء بالكهرباء دون شمس… مضيئة نعم، لكنها باردة.

وفي النهاية، لا أحد يستحق أن يكون واجبًا في حياة أحد. الإنسان خُلق ليكون اختيارًا، ولهفة، وراحة، واشتياقًا، لا بندًا في جدول، ولا دورًا محفوظًا يُؤدَّى بلا إحساس. ومن وجد نفسه يومًا يعيش بالعِشرة لا بالمحبة، فليتوقف قليلًا ويسأل قلبه بصدق:
هل أنا باقٍ لأنني أُريد؟
أم لأنني اعتدت؟

فالبقاء بدافع العادة قد يطيل العمر، لكنه لا يُنقذ الروح.
أما البقاء بدافع الحب… فهو وحده الذي يجعل للحياة طعمًا لا يُنسى

مقالات اخبار اخبار مصر

مواقيت الصلاة

السبت 03:52 مـ
12 شعبان 1447 هـ 31 يناير 2026 م
مصر
الفجر 05:17
الشروق 06:46
الظهر 12:08
العصر 15:09
المغرب 17:31
العشاء 18:50