الأهلي والجيش الملكي - حين تتجاوز الكلمة حدود الملعب
كره القدم لم تُخلق لتكون ساحة حرب، ولم تُبتكر المدرجات لتتحول إلى محاكم تفتيش أخلاقي أو ساحات تصفية حسابات بين شعوب. هي لعبة، نعم لعبة، لكنها لعبة تحمل في داخلها انتماءً وهويةً وعاطفةً جياشة، وإذا لم تُضبط بالعقل والأخلاق تحولت من وسيلة فرح إلى أداة فتنة.
ما حدث في مباراة الأهلي أمام الجيش الملكي، سواء في لقاء الذهاب بالمغرب أو الإياب في القاهرة، يكشف لنا أزمة أعمق من مجرد هتافات خرجت عن النص أو لافتات تجاوزت الحدود. نحن لا نتحدث عن خطأ عابر، بل عن ظاهرة تتكرر كلما اشتعلت المنافسة واشتد الحماس.
في المغرب، خرجت بعض التصرفات عن روح الضيافة، وفي القاهرة، لم يكن الرد أهدأ أو أرقى. وكأن كل طرف قرر أن يعاقب الآخر بدل أن يسمو عليه. وكأن الرسالة أصبحت: “إن أسأتَ إليّ سأسيء أكثر”، بدل أن تكون: “سأُثبت لك أنني أرقى”.
المشكلة الحقيقية ليست في الانفعال؛ فالجمهور بطبيعته عاطفي. المشكلة في غياب الوعي بأن الفريق الذي نشجعه يمثل وطنًا قبل أن يمثل ناديًا. وأن الكلمة التي تُقال في لحظة غضب قد تُفهم على أنها موقف شعب لا مجرد هتاف فرد.
العلاقة بين مصر والمغرب أكبر من مباراة، وأعمق من بطولة، وأثقل وزنًا من تسعين دقيقة. تاريخ طويل من الروابط الثقافية والسياسية والإنسانية لا يجوز أن يُختزل في لافتة أو هتاف.
الأهلي نادٍ عريق بتاريخ قاري كبير، والجيش الملكي كذلك له مكانته وتاريخه في الكرة الإفريقية. كلاهما شارك في صناعة تاريخ البطولة، وكلاهما يستحق جمهورًا يليق به. لأن عظمة النادي لا تُقاس فقط بعدد البطولات، بل بأخلاق جماهيره أيضًا.
كرة القدم الإفريقية تحتاج اليوم إلى نموذج حضاري، خاصة في ظل ما تبذله الاتحادات لتطوير البطولة وتسويقها عالميًا. لا يمكن أن نطالب العالم باحترام كرتنا ونحن لا نحترم بعضنا البعض في المدرجات.
دعونا نكسب المنافسة بشرف، ونهزم خصومنا في الملعب فقط، لا في الأخلاق. لأن الفريق الذي يحتاج إلى الإساءة ليشعر بالقوة، لم يفهم معنى القوة بعد.
القوة الحقيقية أن تهتف لناديك… دون أن تجرح وطنًا آخرفي كل أزمة جماهيرية، هناك صوت يسبق الهتاف، ويُمهّد له، ويصنع له المناخ. هذا الصوت هو الإعلام. سواء في مصر أو في المغرب، لا يمكن إعفاء المنابر الرياضية من جزء من المسؤولية عما يحدث في المدرجات، لأن الكلمة التي تُقال في الاستوديو قد تتحول إلى شعار في المدرج، والعنوان المشتعل قد يتحول إلى سلوك مشتعل.
عندما تُقدَّم المباراة على أنها “معركة كرامة”، وعندما يُختزل الخصم في صورة مستفزة، وعندما تُستخدم مفردات الثأر والرد والانتقام بدلًا من الندية والاحترام، فإن الجماهير لا تسمع فقط… بل تتشبع. والإعلامي، شاء أم أبى، لا ينقل الحدث فقط، بل يصنع زاوية النظر إليه.
الإعلام المصري، بحجمه وتأثيره، قادر على تهدئة الشارع كما هو قادر على إشعاله. والإعلام المغربي كذلك يمتلك المساحة والتأثير ذاته. المسألة ليست في الانحياز للنادي المحلي، فهذا طبيعي ومفهوم، بل في طريقة التعبير عن هذا الانحياز. هناك فارق كبير بين دعم فريقك، وبين شيطنة الآخر.
الأزمة لا تبدأ في المدرج، بل تبدأ أحيانًا في الاستوديو، في جملة عابرة، في نبرة ساخرة، في تعليق مستفز يُقال بدافع الحماس أو رفع نسب المشاهدة. لكن ما يحقق “تريند” لحظيًّا قد يخلق شرخًا طويل الأمد في العلاقة بين جمهورين وشعبين.
الإعلام الحقيقي لا يركب موجة الغضب، بل يحتويها. لا يبرر الخطأ لأنه صادر من “جمهورنا”، ولا يضخمه لأنه صادر من “الآخر”. بل يتعامل معه بميزان واحد، ويضع المصلحة الكبرى فوق المكسب اللحظي.
نحن في زمن تُنقل فيه الكلمة خلال ثوانٍ من بلد إلى بلد، وتُقتطع التصريحات من سياقها، وتُعاد صياغتها لتغذي الاستقطاب. لذلك، فإن مسؤولية الإعلام اليوم مضاعفة. لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل صانعًا للوعي… أو صانعًا للفوضى.
لو أراد الإعلام المصري والمغربي أن يحولا الأزمة إلى فرصة، فبإمكانهما ذلك. يمكن تحويل لغة التحدي إلى لغة تقدير متبادل، ولغة الاستفزاز إلى لغة إشادة بالتاريخ المشترك، ولغة الرد إلى لغة احتواء. لأن الجمهور يتأثر بما يُقال أكثر مما نتصور، حتى وإن ادعى غير ذلك.










