بين الحرمان والإفراط.. كيف يحمي الصائم جهازه المناعي من العادات الغذائية القاتلة في رمضان؟.. عاجل
يُمثل شهر رمضان المبارك فرصة ذهبية يمنحها الإنسان لجسده كي يعيد ترميم وبناء منظومته الدفاعية. فساعات الصيام الطويلة لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل تُسهم في تنقية الخلايا من الفضلات العضوية وتحفيز إنتاج خلايا مناعية أكثر كفاءة. غير أن هذا المكسب الصحي قد يتبدد تماماً إذا استسلم الصائم لعادات غذائية خاطئة تُرهق أجهزته الحيوية وتضعف قدرته على مقاومة الأمراض، ما يجعل الوعي بأسس الصيام الصحي ضرورة لتفادي الوقوع في فخ الأمراض الموسمية والمزمنة.
ترميم المنظومة الدفاعية أكد الدكتور حسام مصطفى، استشاري أمراض المناعة، أن الصيام لمدة تتراوح بين 14 و16 ساعة يُحفّز ما يُعرف علمياً بعملية "الالتهام الذاتي"، وهي آلية بيولوجية يتخلص خلالها الجسم من الخلايا التالفة ويُعيد تدوير مكوناتها، الأمر الذي يُسهم في تجديد شباب الجهاز المناعي. وأوضح أن الامتناع المؤقت عن الطعام يقلل معدلات الالتهاب داخل الجسم، ما يساعد مرضى الحساسية والمناعة الذاتية على استعادة توازنهم، شريطة أن يكون الإفطار قائماً على نظام غذائي متوازن يمد الجسم بالعناصر الدقيقة اللازمة لبناء الأجسام المضادة.
وأشار إلى أن الخطأ الشائع يتمثل في كسر الصيام بوجبات غنية بالدهون المهدرجة والسكريات البسيطة، وهو ما يُحدث صدمة مناعية مفاجئة تُضعف استجابة كريات الدم البيضاء. فالإفراط في السكر، على سبيل المثال، قد يُقلل من قدرة الخلايا المناعية على مقاومة الميكروبات لساعات عدة بعد تناوله، ما يزيد قابلية الإصابة بنزلات البرد والعدوى الفيروسية.
تحذيرات من العادات القاتلة وحذر استشاري المناعة من الإفراط في تناول المنبهات و المشروبات الغازية ليلاً، لما تسببه من فقدان السوائل والأملاح المعدنية الضرورية لنشاط الجهاز اللمفاوي. فالجفاف يؤدي إلى ضعف كفاءة الأغشية المخاطية في الجهاز التنفسي، وهي خط الدفاع الأول ضد الفيروسات.
وشدد على أن شرب كميات كبيرة من الماء دفعة واحدة وقت السحور سلوك غير فعّال، إذ تتخلص الكلى من الفائض سريعاً، بينما يُعد توزيع شرب الماء على فترات منتظمة بين الإفطار والسحور الخيار الأمثل للحفاظ على الترطيب.
كما لفت إلى أن إهمال وجبة السحور أو تأخيرها بشكل مبالغ فيه قد يؤدي إلى استنزاف مخزون الجليكوجين في الكبد، ما يرفع مستوى هرمون الكورتيزول المرتبط بإضعاف المناعة. ويؤدي الجوع الشديد المقترن بقلة النوم إلى انخفاض إنتاج "الإنترفيرون"، وهو بروتين أساسي في مقاومة الفيروسات، الأمر الذي يفسر شعور البعض بالإجهاد والوهن خلال النصف الثاني من الشهر.
روشتة السحور والإفطار الصحي ينصح الخبراء بأن تتصدر المائدة الرمضانية الأطعمة الغنية بالزنك وفيتامين (C) مثل الخضروات الورقية والحمضيات، إلى جانب البروتينات المسلوقة أو المشوية. أما في السحور، فيُفضل الاعتماد على الكربوهيدرات المعقدة كالخبز الأسمر والبقوليات، لقدرتها على إطلاق الطاقة تدريجياً والحفاظ على استقرار مستوى السكر في الدم، ما يقلل الشعور بالإرهاق والدوار نهاراً.
كما يُنصح بتجنب النوم مباشرة بعد السحور، لأن اضطرابات الهضم تؤثر سلباً على جودة النوم، وبالتالي على إفراز "السيتوكينات" المسئولة عن مقاومة الالتهابات. ويلعب العامل النفسي دوراً محورياً أيضاً، إذ تساعد الأجواء الروحانية والسكينة المصاحبة للشهر الكريم في خفض مستويات التوتر وتحسين كفاءة الدورة الدموية، ما ينعكس إيجاباً على أداء الجهاز المناعي.
كيف تحمي جهازك المناعي من العادات الغذائية القاتلة في رمضان؟
نصائح ذهبية لختام الشهر يشدد الأطباء على أهمية تناول "البروبيوتيك" الموجود في الزبادي واللبن الرايب، بوصفه دعامة رئيسية للمناعة المعوية التي تشكل نسبة كبيرة من قوة المناعة العامة. كما أن ممارسة نشاط بدني خفيف بعد الإفطار بساعتين، كالمشي أو أداء تمارين بسيطة، تُحسن عملية الهضم وتمنع تراكم الدهون الضارة.
ويبقى التوازن هو كلمة السر. فبين الصيام الواعي والإفطار المنضبط يكمن الطريق نحو تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض. ورمضان ليس شهراً للحرمان ولا للإفراط، بل فرصة سنوية لإعادة ضبط العادات الغذائية وبناء جسد أقوى وروح أكثر صفاءً، بما يضمن استمرار العافية لما بعد انقضاء الشهر الفضيل.










