الثلاثاء 31 مارس 2026 07:20 مـ 12 شوال 1447هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب:-حين انقسمت المدرجات… هل انقسم الوطن؟

أخبار مصر 2050

لم تكن كرة القدم في يومٍ من الأيام مجرد لعبة تُلعب داخل المستطيل الأخضر، ولم يكن منتخب مصر مجرد فريق يرتدي قميصًا موحدًا ويخوض مباريات رسمية، بل كان — ولا يزال — حالة وجدانية خاصة، لحظة نادرة يذوب فيها الانتماء الضيق داخل معنى أكبر اسمه “الوطن”، حيث تختفي الألوان، وتُطوى الرايات، وتُمحى الفوارق، فلا يعود هناك أهلاوي أو زملكاوي، بل مصري فقط… يشجع، يحلم، ويتنفس مع كل لمسة كرة.

كنا — يا صديقي — نختلف طوال العام، نتشاجر، نتحمس، نغضب، ونحتفل، لكن ما إن يأتي موعد منتخب مصر حتى تتحول كل تلك الخلافات إلى مجرد تفاصيل صغيرة لا تُذكر، وكأننا نخلع انتماءاتنا المؤقتة ونرتدي انتماءً أبديًا واحدًا لا يقبل القسمة أو التصنيف… انتماء لاسم مصر.

لكن، يبدو أن شيئًا ما قد تغيّر…

ففي السنوات الأخيرة، لم يعد المشهد كما كان، ولم تعد المدرجات كما عرفناها، ولم يعد النقاش حول المنتخب نقيًا كما اعتدنا، بل تسلل إليه ذلك المرض الصامت الذي يُفسد كل جميل… التعصب الأعمى، الذي لم يكتفِ بالبقاء داخل حدود الأندية، بل قرر أن يمد جذوره إلى المنتخب نفسه، ليبدأ في تصنيفه، وتقسيمه، وإعادة تشكيله وفق أهواء وانتماءات ضيقة لا علاقة لها بالوطن.

فجأة، أصبحنا نسمع من يُصنّف اللاعبين داخل المنتخب إلى أهلاوي وزملكاوي، ومن يُهاجم اختيارات المدير الفني — حسام حسن — ليس بناءً على رؤية فنية أو احتياج تكتيكي، بل بناءً على لون القميص الذي يرتديه اللاعب في ناديه، وكأن قميص المنتخب لم يعد كافيًا ليمنحه الشرعية!

والأخطر من ذلك، أن البعض لم يعد يكتفي بالنقد، بل تجاوز إلى الدعوة الصريحة لأن يكون المنتخب مكوّنًا بالكامل من لاعبي نادٍ واحد… وكأننا لم نعد نتحدث عن “منتخب مصر”، بل عن فريق يمثل جهة بعينها، في مشهد يُثير الدهشة قبل الغضب، والحزن قبل الاستنكار.

وما كان لهذا الفكر أن ينتشر لولا أن وجد له صدى في بعض وسائل الإعلام، التي كان من المفترض أن تكون جسرًا للتوعية، فإذا بها — في بعض الأحيان — تتحول إلى منصة لتغذية هذا الانقسام، من خلال محللين — أغلبهم لاعبون سابقون — ينساقون وراء انتماءاتهم الشخصية، فيُسقطونها على تحليلاتهم، ويُمررون رسائل مشحونة بالتعصب، تُغذي الجماهير بدل أن تُهذبها، وتُقسم بدل أن تُوحد.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية…

لأن الإعلام حين يخطئ، لا يخطئ وحده، بل يُخطئ معه جمهور بأكمله.

لا يمكن أن نخسر فكرة “المنتخب” دون أن نخسر شيئًا أكبر بكثير من مجرد نتائج مباريات، لأن المنتخب ليس فقط من يفوز أو يخسر، بل هو آخر ما تبقى لنا من مساحات مشتركة، تلك المساحة التي نقف فيها جميعًا على قلب رجل واحد، نهتف باسم واحد، ونبكي أو نفرح لسبب واحد… فإذا فقدنا هذه المساحة، فما الذي سيتبقى لنا؟

إن أخطر ما قد نصل إليه ليس أن نختلف حول لاعب أو مدرب، بل أن نختلف حول معنى الانتماء نفسه، وأن يتحول الوطن — في وعينا — إلى مجرد ساحة جديدة للصراع، بدل أن يكون الملاذ الأخير من كل صراعاتنا.

ربما نحتاج أن نتذكر — ولو قليلًا — كيف كنا، لا لنعيش في الماضي، بل لنستعيد منه ما يستحق أن يُستعاد… تلك القدرة النادرة على أن نختلف كثيرًا… لكن حين تُنادى مصر، نصمت جميعًاو نقف و في النهاية - و قبل أن نُحمّل الجماهير وحدها مسؤولية هذا الانحدار المؤلم في الوعي، علينا أن نلتفت بصدقٍ وشجاعة إلى ذلك الصوت الذي يُفترض به أن يقود لا أن يُحرّض، أن يُنير لا أن يُضلل… إلى الإعلام، الذي لم يعد في بعض صوره مرآةً للحقيقة، بل صار — للأسف — مكبرًا للصوت الأعلى لا للصوت الأوعى، ومنبرًا للانفعال لا للعقل.

فحين يجلس محلل — يفترض فيه الخبرة — ليتحدث بلغة المشجع لا بلغة المسؤول، وحين يُمرر أفكاره المتعصبة تحت غطاء “الرأي الفني”، وهو في الحقيقة لا يُدرك — أو لا يريد أن يُدرك — أن كلماته قد تُشعل فتيلًا في عقول البسطاء، وأن جملة عابرة منه قد تتحول إلى قناعة راسخة لدى آلاف، بل ملايين، هنا لا يصبح الأمر مجرد “رأي يُقال”، بل خطر يُبث، ووعي يُشوَّه، وانتماء يُعاد تشكيله بشكل مريض.

إن الجهل الحقيقي ليس في عدم المعرفة، بل في التحدث بثقة فيما لا نفهم، وفي تصدير أنفسنا كمرجع ونحن لا نُجيد حتى قراءة المشهد بشكل كامل، والأخطر من ذلك أن يتحول هذا الجهل إلى مادة إعلامية تُستهلك يوميًا، فتُغذي التعصب وتمنحه شرعية زائفة، وكأنه وجهة نظر تُحترم، بينما هو في حقيقته انحدار يجب أن يُقاوَم.

الإعلام ليس مجرد وظيفة، بل مسؤولية، والمحلل ليس مجرد لاعب سابق، بل عقل يُفترض أن يزن كلماته بميزان تأثيرها لا بميزان انتمائه، لأن الكلمة في هذا السياق لم تعد صوتًا عابرًا، بل أصبحت أداة تشكيل وعي… إما أن تبني جيلًا يرى في المنتخب وطنًا، أو تهدم ما تبقى من هذا المعنى في نفوسهم.

فإن لم يدرك البعض خطورة ما يقول، فالأجدر به أن يصمت… لأن الصمت — في لحظات الجهل — أكثر احترامًا من كلامٍ يُفسد ما تبقى من نقاء اللعبة، ويزرع في القلوب انقسامًا لا يليق باسم مصر

مقالات

مواقيت الصلاة

الثلاثاء 07:20 مـ
12 شوال 1447 هـ 31 مارس 2026 م
مصر
الفجر 04:18
الشروق 05:46
الظهر 11:59
العصر 15:30
المغرب 18:13
العشاء 19:31