الأربعاء 22 أبريل 2026 04:24 مـ 5 ذو القعدة 1447هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

د.أحمد الشربيني يكتب: «دليل استخدام المواطن المصري»

د.أحمد الشربيني يكتب: «دليل استخدام المواطن المصري»
د.أحمد الشربيني يكتب: «دليل استخدام المواطن المصري»

نشرة أحوال
يوميات غير قابلة للنشر

في محاولة جادة لفهم ما لا يُفهم، وبعد سنوات من الملاحظة الميدانية والتجارب اليومية غير المقصودة، قررت بعض الجهات التي تراقب بصمت ولا تتدخل إصدار أول “دليل استخدام” للمواطن المصري. ليس بغرض التحكم، فذلك مستحيل علميًا، ولكن على الأقل لتقليل الخسائر الناتجة عن سوء الفهم المتكرر.


الفكرة بدأت عندما اكتشف أحدهم أن التعامل مع المواطن المصري يتم غالبًا بطريقة عشوائية، كأنك تستخدم جهازًا معقدًا بدون كتالوج، ثم تتعجب لماذا لا يعمل كما توقعت. ومن هنا، جاءت الحاجة إلى دليل بسيط يوضح الأساسيات: متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تكتفي بالنظر في الفراغ احترامًا للوضع.


أول ما يجب معرفته أن المواطن المصري لا يُنصح بالتعامل معه فور استيقاظه. في هذه المرحلة، يكون في حالة انتقالية بين الحلم والواقع، وغالبًا ما يرفض الاعتراف بأن اليوم قد بدأ بالفعل. أي محاولة لطرح أسئلة من نوع “هتعمل إيه النهارده؟” قد تُقابل بنظرة تحمل قدرًا من الفلسفة والإنكار، وكأنك تسأله عن معنى الحياة، لا عن جدول يومي بسيط. الحل الأمثل هو تركه حتى يحصل على كوب الشاي الأول، حيث يبدأ النظام في التحميل تدريجيًا، وتظهر ملامح الاستجابة.


أما عن بيئة التشغيل، فالمواطن المصري لا يعمل بكفاءة في الهدوء التام. على عكس ما قد يتوقعه البعض، فإن الضوضاء الخفيفة إلى المتوسطة تُحسن الأداء، وتمنحه شعورًا بأن الحياة تسير كما ينبغي. وجود زحمة، صوت تلفزيون في الخلفية، أو نقاش جانبي غير مفهوم، كلها عناصر تساعد على استقرار النظام. في حالة الهدوء الكامل، قد يشعر المواطن بقلق غير مبرر، ويميل إلى اختراع مشكلة صغيرة لإعادة التوازن.


عند طلب مهمة، يُفضل استخدام عبارات مرنة مثل “نشوف الموضوع ده” أو “نحاول نخلصه”، بدلًا من الأوامر المباشرة التي قد تُفعل آلية دفاعية تُعرف بـ“هنتصرف”. هذه العبارة، رغم بساطتها، تحمل طيفًا واسعًا من المعاني، تبدأ من النية الصادقة وتنتهي بالتأجيل غير المحدد. لذلك، يُنصح بعدم الاعتماد عليها كمؤشر زمني دقيق.


ومن الخصائص اللافتة في هذا النموذج، قدرته العالية على التحمل. المواطن المصري يستطيع امتصاص قدر كبير من الضغوط دون أن يُظهر ذلك فورًا، بل غالبًا ما يحوّل التوتر إلى دعابة، وكأن الضحك ليس رد فعل، بل وسيلة بقاء. هذه الخاصية، رغم فائدتها، قد تُخفي أعطالًا داخلية لا تظهر إلا في لحظات غير متوقعة، مثل صمت طويل أو جملة مختصرة تحمل أكثر مما تقول.


الأعطال الشائعة لا تعني بالضرورة خللًا دائمًا، بل هي جزء من طبيعة التشغيل. قد يحدث “تهنيج” مؤقت عند مواجهة موقف غير منطقي، وهنا يُنصح باستخدام جملة “معلش” كأداة إعادة ضبط. كذلك، قد ينخفض الحماس في منتصف اليوم، وهو أمر طبيعي يمكن التعامل معه بجرعة من القهوة أو شكوى جماعية تعيد التوازن النفسي.


أما الصيانة، فهي لا تتطلب أدوات معقدة. جلسة فضفضة، ضحكة صادقة، أو حتى إجازة قصيرة—حقيقية أو متخيلة—قد تكون كافية لإعادة تشغيل النظام بكفاءة مقبولة. المهم هو تقليل التوقعات، لا زيادتها، لأن الضغط الإضافي لا يُحسن الأداء، بل يدفع المواطن إلى تفعيل وضع “عدّيها”، وهو وضع يوفر الطاقة لكنه لا يحل المشكلات.


ورغم كل المحاولات لتحديث هذا النموذج، لا يزال الإصدار الحالي يعمل بطريقة يصعب التنبؤ بها. هناك وعود بإصدار جديد أكثر تنظيمًا، أقل اعتمادًا على “بكرة”، وأكثر استجابة للواقع، لكن هذه التحديثات، كغيرها، تخضع لظروف غير واضحة، وغالبًا ما يتم تأجيلها دون إشعار مسبق.


في النهاية، لا يمكن التعامل مع المواطن المصري كجهاز تقليدي. هو نظام حي، يتفاعل، يتأقلم، ويُفاجئك أحيانًا بقدرته على الاستمرار رغم كل شيء. قد لا يعمل وفق القواعد، لكنه نادرًا ما يتوقف، وكأن هناك آلية خفية تُبقيه في حالة تشغيل دائم، حتى في أسوأ الظروف.


ولو فشلت كل محاولات الفهم، لا تقلق. هذا طبيعي. الدليل نفسه يعترف، في سطر غير مكتوب، أن بعض الأشياء لا تُفهم… فقط تُعاش.

على سبيل السخرية لا أكثر.

د.أحمد الشربيني

د.أحمد الشربيني مقالات

مواقيت الصلاة

الأربعاء 04:24 مـ
5 ذو القعدة 1447 هـ 22 أبريل 2026 م
مصر
الفجر 03:49
الشروق 05:21
الظهر 11:54
العصر 15:30
المغرب 18:26
العشاء 19:48