اشرف محمدين يكتب « الميسر - حين يرتدي بدلة »
اختلطت فيه المفاهيم حتى أصبح الحرام يُسوَّق على أنه “تسلية”، وصار القمار يُقدَّم للشباب في هيئة تطبيقات أنيقة وإعلانات لامعة ونجوم كرة وفنانين يبتسمون أمام الشاشات وكأنهم يبيعون الحلم لا الوهم، أصبح من المؤلم حقًا أن نعود لنتناقش في بديهيات الدين والأخلاق، وأن نُذكِّر أمةً كانت تعرف الحلال والحرام بالفطرة، بأن المراهنات ليست “شطارة”، وليست “توقع نتائج”، وليست “لعبة خفيفة على الموبايل”، بل هي في حقيقتها ميسرٌ صريح حرّمه الله سبحانه وتعالى بوضوح لا يحتمل التأويل ولا التجميل ولا تغيير المسميات.
لقد نجحت تطبيقات المراهنات الحديثة في ارتكاب أخطر جريمة فكرية وأخلاقية في هذا العصر، وهي إعادة تقديم القمار في ثوبٍ حضاري ناعم، حتى أصبح الشاب الذي كان يستحي يومًا أن يُمسك بورقة قمار، يُراهن الآن بضغطة إصبع وهو يضحك، بل ويدافع عن الأمر باعتباره “توقعات رياضية” أو “تحليل كروي”، بينما الحقيقة المؤلمة أن المال الذي يُدفع مقابل احتمالية الربح والخسارة هو عين الميسر الذي نهى الله عنه، مهما تغيّرت الأسماء وتبدلت الشعارات وتعددت التطبيقات.
والمشكلة الحقيقية ليست فقط في خسارة الأموال، بل في اعتياد النفوس على فكرة الكسب السريع بلا تعب، وتعلّق القلوب بالوهم، وتحويل الرياضة من متعة ورسالة وأخلاق ومنافسة شريفة إلى سوق مراهنات ضخم يُقاس فيه اللاعبون والأندية والمباريات بحجم الأرباح والخسائر، لا بقيمة الرياضة نفسها، حتى أصبح البعض لا يشاهد المباراة حبًا في ناديه أو استمتاعًا باللعبة، بل خوفًا على “الرهان” الذي وضعه قبل اللقاء، وكأن الكرة تحولت من رياضة جماهيرية إلى ماكينة قمار إلكترونية ضخمة.
والأخطر من ذلك أن هذه التطبيقات لم تعد تستهدف الأغنياء أو أصحاب النفوس المنحرفة فقط، بل أصبحت تدخل إلى غرف المراهقين والشباب البسطاء عبر إعلانات خادعة تُوحي بأن الثراء قريب، وأن ضربة حظ واحدة قد تغيّر الحياة، وهي نفس الفلسفة القديمة للقمار منذ آلاف السنين؛ أن تقتل قيمة العمل الحقيقي داخل الإنسان، وأن تجعله يلهث خلف السراب بدلًا من السعي الشريف، لذلك لم يكن تحريم الميسر في الإسلام مجرد تحريم ديني تقليدي، بل كان حمايةً للمجتمع من الانهيار النفسي والأخلاقي والاقتصادي.
وللأسف الشديد، وصل بنا الحال إلى أن البعض يغضب إذا وصفت هذه التطبيقات بأنها قمار، رغم أن أصحابها أنفسهم في الخارج يصنفونها كصناعة Gambling بشكل واضح وصريح دون خجل، بينما نحن نحاول تجميل الكارثة بالألفاظ الحديثة، وكأن تغيير الاسم يمكن أن يغيّر الحقيقة، مع أن الخمر يبقى خمرًا ولو سُمي مشروبًا روحيًا، والربا يبقى ربا ولو أطلقوا عليه “فوائد”، والقمار يبقى ميسرًا ولو أسموه “توقع نتائج المباريات”.
إن أخطر ما يحدث الآن ليس انتشار المراهنات فقط، بل اعتياد المجتمع عليها حتى تفقد بشاعتها مع الوقت، وهذه هي الكارثة الكبرى؛ أن يتحول المنكر إلى شيء طبيعي، وأن يصبح الحديث عن حرمته وكأنه تشدد أو تعقيد أو “دراما دينية”، بينما الحقيقة أن المجتمعات لا تسقط فجأة، بل تسقط حين تتصالح تدريجيًا مع الخطأ حتى يصبح جزءًا من يومها العادي.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست مع تطبيقات المراهنات فقط، بل مع محاولة إعادة وعي الناس، وإعادة تعريف الأشياء بأسمائها الحقيقية، لأن أخطر أنواع الهزائم أن يُهزم الإنسان فكريًا حتى يرى الحرام تطورًا، ويرى الانفلات حرية، ويرى القمار مجرد “توقعات كروية بريئة”.
وفي النهاية…
الخوف الحقيقي الذي يجب أن يُرعب كل من يحب الرياضة فعلًا… فهو اليوم الذي لا تصبح فيه المراهنات مجرد لعبة يمارسها الجمهور من خارج الملعب، بل سرطانًا يتسلل إلى داخل غرف الملابس نفسها، إلى عقول اللاعبين والحكام والإداريين، لأن اللحظة التي يدخل فيها المال المشبوه إلى قلب المنافسة، تموت الرياضة أخلاقيًا حتى لو استمرت المباريات والجماهير والهتافات.
فكيف نطمئن على نزاهة مباراةٍ قد يكون أحد أطرافها مستفيدًا من خسارتها؟… وكيف نثق في منافسة عادلة إذا أصبحت بعض النتائج تُدار في الخفاء بمنطق الأرباح لا بمنطق الأداء؟… بل كيف يشعر المشجع بالانتماء الصادق وهو يشاهد مباراة قد تتحول في أي لحظة إلى مسرحٍ كبير تُباع فيه الأخطاء عمدًا، وتُهدر فيه الفرص عمدًا، وتُمنح فيه البطاقات أو ركلات الجزاء وفق حسابات المراهنات لا وفق شرف الرياضة؟
إن أخطر ما في انتشار ثقافة الميسر الرياضي أنها لا تفسد الجمهور فقط، بل تهدد بتحويل بعض اللاعبين من أصحاب أحلام ورسائل إلى مجرد أدوات داخل سوق مراهنات عالمي ضخم، وحينها لن يكون السؤال: “من الفريق الأفضل؟”… بل “من دفع أكثر؟”… ولن تكون الهزيمة بسبب سوء مستوى، بل بسبب اتفاقات قذرة تُقتل فيها الروح الرياضية لحساب المال السهل.
ولذلك فإن الدول المحترمة تعتبر أي شبهة تلاعب مرتبطة بالمراهنات جريمة تهدد الأمن الرياضي والاقتصادي معًا، لأن الرياضة حين تفقد نزاهتها تفقد كل شيء؛ تفقد ثقة الجماهير، وتفقد قيمة المنافسة، وتتحول البطولات إلى عروضٍ تمثيلية رديئة لا تختلف كثيرًا عن المقامرة في الكازينوهات، فقط مع تغيير الديكور ووضع عشب أخضر بدلًا من طاولة القمار.
والمؤلم فعلًا… أن بعض الناس لا يدركون أن السكوت عن انتشار هذه الثقافة اليوم، قد يجعل أبناءنا غدًا يشاهدون كرة قدم لا تُحسم داخل المستطيل الأخضر، بل داخل تطبيقات المراهنات وحسابات السماسرة وغرف الاتفاقات السرية، وعندها لن نخسر مجرد مباراة… بل سنخسر معنى الرياضة نفسه











