اشرف محمدين يكتب:-إذا مات القلب - فاعلم ان القاتل اعز الناس
هناك موت لا تُعلن عنه المستشفيات، ولا تُكتب له شهادات وفاة، ولا يشيعه الناس إلى المقابر، لكنه يحدث كل يوم في صمتٍ كامل، حين يفقد الإنسان قدرته على الدهشة، ويتوقف عن انتظار الغد، ويصبح الضحك مجرد حركةٍ تؤديها الشفاه بينما يبقى القلب غارقًا في صمته، ذلك لأن القلب لا يموت عندما يتوقف عن النبض، وإنما يموت عندما يتوقف عن الشعور، وعندما يصبح كل ما كان يمنحه الحياة مجرد ذكرى بعيدة لا تستطيع أن تعيده كما كان.
والغريب أن القلوب لا تقتلها قسوة الغرباء، فالغريب لا يملك سوى أن يعبر حياتك مرورًا عابرًا، أما الذي يستطيع أن يترك في روحك ندبةً لا تزول، فهو ذلك الذي منحته ثقتك كاملة، وفتحت له أبوابك دون خوف، وجعلته جزءًا من تفاصيلك اليومية حتى ظننت أن وجوده أصبح من ثوابت الحياة، فإذا به يتحول، في لحظةٍ لم تكن تتوقعها، من مصدرٍ للطمأنينة إلى مصدرٍ للوجع، ومن اليد التي كانت تربت على كتفك إلى اليد التي دفعتك نحو السقوط.
إن أشد الخيبات ليست تلك التي تأتي من الأعداء، فالأعداء يؤدون الدور الذي تتوقعه منهم، أما الذين نحمل أسماءهم في قلوبنا، ونبرر لهم أخطاءهم، ونلتمس لهم الأعذار حتى آخر لحظة، فهم وحدهم القادرون على أن يجعلوا الإنسان يشك في كل شيء؛ في الحب، وفي الوفاء، وفي صدق المشاعر، بل وربما في نفسه أيضًا، لأن الطعنة حين تأتي من الخلف لا تؤلم الظهر بقدر ما تؤلم الثقة التي جعلتك تدير ظهرك مطمئنًا.
ولهذا ترى بعض الناس يتغيرون فجأة، لا لأن طباعهم تبدلت، ولا لأن الأيام قست عليهم أكثر من غيرهم، وإنما لأن شيئًا في داخلهم انكسر، وانكسر بطريقةٍ لم يستطع أحد أن يراها، فيصبحون أكثر صمتًا، وأقل حديثًا، وأكثر حذرًا في منح مشاعرهم، لا كرهًا للحياة، ولكن خوفًا من أن يدفعوا الثمن نفسه مرةً أخرى.
ومع ذلك، يبقى القلب، رغم كل ما يمر به، أكثر أعضاء الإنسان شجاعة، فهو الذي يحاول أن يصدق بعد كل خذلان، وأن يحب بعد كل فراق، وأن يفتح نافذته للنور بعد ليالٍ طويلة من الظلام، لأن الله لم يخلق القلوب لتبقى مقابر للألم، وإنما خلقها لتتعلم، وتنضج، وتعرف أن قيمة الإنسان لا تقاس بمن خانه، وإنما بقدرته على ألا يسمح للخيانة أن تحوله إلى نسخةٍ أخرى ممن اذوه و ربما تكون أعظم مفارقات الحياة أن القلب، ذلك العضو الذي يبدو أكثر الأشياء هشاشة، هو في الحقيقة أكثرها قدرةً على النجاة؛ فهو قد ينكسر حتى تظن أن جمع شتاته أصبح مستحيلاً، وقد ينزف حتى يخيل إليك أن الألم صار جزءًا من تكوينه، وقد يموت داخله شيءٌ لا يعود أبدًا كما كان، لكن الله لم يخلق القلوب لتبقى أسيرة لحظة خذلان، ولا لتُدفن تحت أنقاض إنسانٍ أخطأ في حقها، لأن أعز الناس قد يرحل، وقد يتغير، وقد يخيب الظن فيه، لكن أعز ما في الإنسان يجب ألا يرحل معه، وهو قلبه نفسه، فلا تمنح أحدًا سلطة أن يغادر وهو يحمل نبضك بين يديه، ولا تسمح لخذلانٍ واحد أن يجعلك تعيش بقية عمرك تعاقب كل الوجوه الجديدة على ذنب وجهٍ واحد لم يعرف قيمة الحب الذي منحته له.
إن بعض البشر يخرجون من حياتنا تاركين خلفهم خرابًا واسعًا، حتى نظن أن العمر انتهى عند لحظة رحيلهم، ثم تمر الأيام، ويدور الزمن دورته التي لا تتوقف، فنكتشف أن الحياة لم تكن تنتظر أحدًا، وأن الشمس أشرقت في اليوم التالي كما كانت تشرق دائمًا، وأن الأبواب التي أُغلقت قد فتحت لنا أبوابًا لم نكن نراها، وأن الله، حين يأخذ من أيدينا شخصًا، لا يأخذ معه القدرة على الحب، بل يأخذ الوهم الذي كنا نظنه حقيقة، ليمنحنا يومًا ما حقيقةً لا تحتاج إلى وهم.
فإذا مات شيءٌ في قلبك يومًا، فلا تحزن لأن الموت نهاية، بل تأمل ما الذي مات؛ فإن الذي يموت غالبًا هو براءة الثقة العمياء، وسذاجة التعلق، ووهم أن البشر لا يتغيرون، أما القلب الحقيقي فلا يموت ما دام يعرف ربه، وما دام يؤمن أن بعد كل ليلٍ فجرًا، وبعد كل كسرٍ جبرًا، وبعد كل دمعةٍ حكمة، وأن الإنسان لا يُقاس بعدد الذين بقوا معه، بل بقدرته على أن ينهض كل مرةٍ سقط فيها، دون أن يفقد إنسانيته، ودون أن يتحول إلى صورةٍ أخرى ممن كسروه.
لهذا لا تخف إذا شعرت يومًا أن قلبك لم يعد كما كان، فبعض القلوب لا تعود كما كانت لأنها أصبحت أفضل، وأكثر وعيًا، وأهدأ روحًا، وأغلى من أن تمنح نفسها لمن لا يعرف قيمتها، وحينها فقط ستدرك أن الذين ظننت أنهم قتلوا قلبك لم يقتلوا إلا نسخةً قديمة منك، أما أنت… فقد كنت طوال الوقت تولد من جديد، أكثر قوة، وأكثر نقاءً، وأكثر يقينًا بأن الله وحده هو الذي إذا أحببته لم يخذلك، وإذا احتميت به لم يكسرك، وإذا سلمت له قلبك… أعاده إليك حيًا، وإن ظننت يومًا أنه مات











