السبت 7 فبراير 2026 02:37 مـ 19 شعبان 1447هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب:-قبل رحيلهم - يكتبون تاريخاً مزيفا

أخبار مصر 2050

قبل رحيلهم - يكتبون تاريخاً مزيفا

قبل رحيلهم، لا يرحلون في صمت.
لا يكتفون بأن يغادروا، بل يشعرون بحاجة غريبة لأن يتركوا خلفهم حكاية… حكاية ليست حقيقية، لكنها مريحة لهم.

قبل رحيلهم، يخترعون روايات عنك.
قصصًا صغيرة، متفرقة، تبدو للسامع منطقية، لكنها حين تُجمع تشبه محاكمة غيابية، أنت فيها المتهم الوحيد، وهم فيها القضاة والشهود والضحايا في آنٍ واحد.

يفعلون ذلك لا لأنك سيئ، بل لأن الاعتراف بأنهم أخطأوا مؤلم.
لأن مواجهة الذات أصعب من تشويه الآخر.
ولأن الإنسان حين يقرر الرحيل، يحتاج مبررًا أخلاقيًا يُسكته من الداخل قبل أن يُقنع به الخارج.

فيبدأ السيناريو المعتاد:
أنت أصبحت قاسيًا بعد أن كنت حنونًا.
أنانيًا بعد أن كنت معطاءً.
باردًا بعد أن استنزفوك حتى آخر دفء فيك
لا يذكرون كم صبرت.
ولا كم تنازلت.
ولا كم حاولت أن تُصلح ما لم يكن بيدك أصلا
بل يُعاد ترتيب الأحداث بعناية شديدة، كأنها مونتاج ذكي لفيلم يريد بطلاً واحدًا… ليس أنت.
الأكثر قسوة، أنهم لا يكتفون بتشويه صورتك أمام الآخرين، بل يحاولون زرع الشك داخلك.
أن تجلس وحدك ليلًا وتسأل نفسك:
هل كنت مخطئًا فعلًا؟
هل أنا كما قالوا؟
هل أخطأت دون أن أشعر؟
وهنا تتحول الجريمة من رحيل إلى اغتيال معنوي.
من فراق إلى تشويه.
من نهاية علاقة إلى محاولة كسر صورتك أمام نفسك.

لكن الحقيقة التي لا يقولونها أبدًا، أن من يحتاج لتشويهك ليبرر رحيله، هو في الأصل عاجز عن تحمّل ذنبه.
وأن من يصنع منك شيطانًا في قصته، يفعل ذلك ليبدو ملاكًا في عيون الناس.

الناس لا يرحلون لأن الطرف الآخر سيئ دائمًا.
أحيانًا يرحلون لأنهم لم يعودوا قادرين على العطاء.
وأحيانًا لأنهم ملّوا.
وأحيانًا لأنهم ببساطة… لم يكونوا صادقين من البداية.

لكن الصدق يحتاج شجاعة،
والشجاعة لا يملكها من يفضّل كتابة رواية مزيفة على الاعتراف بالحقيقة.

ستتعافى، حتى لو تأخرت.
وستفهم مع الوقت أن الحكايات التي قالوها عنك لا تعرّفك، بل تعرّفهم هم.
وأن صورتك الحقيقية لا تُشوَّه بكلام عابر، بل تثبتها أفعالك التي يعرفها من عاش معك بصدق
أما هم…
فسيبقون أسرى قصتهم،
يُعيدون روايتها لكل من يقترب،
ليس ليقنعوك،
بل ليقنعوا أنفسهم أنهم لم يخطئوا يومًا.
يرحلون، لا يتركون خلفهم فراغًا فقط…
يتركون أثرًا ثقيلًا على الروح، كأنهم مرّوا بمكنسة قاسية تمسح كل دفء، وكل ثقة، وكل ابتسامة كنت تملكها.

الوجع هنا ليس مجرد ألم الفقد،
بل ألم أن ترى نفسك متهمًا في روايتهم، ضائعًا بين صفحات كتب لم تكتبها، شخصيتك ممسوخة، صورتك مشوهة، كل ما أحببته منك يُقلب ضدك.

إنها لحظة قاسية… حين تدرك أن الرحيل ليس نهاية العلاقة فقط،
بل بداية معركة صامتة مع صورتك في أعينهم، ومع صورتك أمام نفسك.
تجد نفسك تسأل: هل كنت حقًا كما قالوا؟
هل أنا مذنب؟
وهنا يتحول الوجع إلى شعور بالغربة داخل الذات، حيث تصبح الغرفة التي كنت تحتمي بها هي السجن الذي سجنت فيه كل ذكرياتك، كل لحظاتك الجميلة، وكل ثقتك بالآخرين.

لكن هناك حقيقة واحدة لا يمكن لأحد أن يمحوها: نقاء قلبك لا يُشوه بكلماتهم، وصدقك لا يضيع رغم الروايات الكاذبة.
وستكتشف، مع كل لحظة صمت، أن الذين رحلوا وحاولوا تشويهك، هم الذين سيبقون أسرى قصتهم.
هم من يحتاج لإثبات براءتهم أمام العالم،
وأنت من يحتاج لإعادة بناء نفسك في صمتك، في عزلك، وفي عمق روحك، حيث لا يستطيع أحد اختراقك أو تشويهك بعد الآن.

الوجع شديد،
لكن في داخله يولد صبرك، وقوتك، وحريتك.
فتدرك في النهاية أن الرحيل الحقيقي ليس لمن يتركك… بل لمن يحاول أن يأخذ منك كل ما أنت عليه، ويكتشف أن قلبك سيظل ملكًا لنفسك وحدك.

وهكذا، يبقى الجرح عميقًا، لكنه أيضًا بداية لولادة جديدة،
لشجاعة لم تعرفها من قبل، ولصورة نفسك التي لا يستطيع أحد أن يغيّرها مهما حاول

مواقيت الصلاة

السبت 02:37 مـ
19 شعبان 1447 هـ 07 فبراير 2026 م
مصر
الفجر 05:13
الشروق 06:42
الظهر 12:09
العصر 15:14
المغرب 17:37
العشاء 18:56