اشرف محمدين يكتب:-حين يعود الغادر مستغربًا - كيف تحجرت المشاعر و تبدلت القلوب
أتعجب حقًا من أولئك الذين يختارون الغدر بخساسة وكأنه خيار عادي في قائمة اختياراتهم، ينسحبون من الحكايات ببساطة مستفزة، وكأن وجودهم كان رفاهية لا التزامًا، يرحلون دون تفسير يليق بما كان بين القلوب، ودون شجاعة مواجهة، وكأن الرحيل أخف وطأة من الاعتراف، ثم بعد أن تهدأ العاصفة ويظنون أن الذاكرة قصيرة وأن الوجع فقد صلاحيته، يعودون… يعودون بثقة غريبة، وبملامح لا تحمل خجلًا ولا أثر ندم، ويتساءلون بسذاجة حقيقية أو مصطنعة: ماذا حدث لك؟ لماذا تغيرت؟ أين ذلك القلب الذي كان يسامح سريعًا ويحتمل كثيرًا؟
المفارقة أن السؤال ذاته يكشف حجم الغفلة؛ لأن القلوب لا تتبدل فجأة، ولا تستيقظ ذات صباح لتقرر أن تصبح قاسية. القلوب حين تقسو تكون قد مرت بمراحل طويلة من الاحتمال، من التبرير، من محاولة فهم ما لا يُفهم، من إعطاء أعذار لم تُطلب أصلًا، ومن ترميم تصدعات كانت تتسع كل مرة أكثر من سابقتها. الغدر لا يترك أثرًا عابرًا يمكن مسحه بكلمة، بل يترك شعورًا دائمًا بعدم الأمان، يزرع شكًا صغيرًا يكبر مع كل ذكرى، ويحوّل الثقة من يقين هادئ إلى حذر متربص.
الذي يغدر يظن أن الأمر انتهى بانتهاء الموقف، لكنه لا يرى ما حدث في الداخل، لا يرى كيف يعيد الإنسان ترتيب نفسه بعد الخذلان، كيف يتعلم أن يقلل سقف توقعاته، كيف يستبدل العفوية بالحساب، والانفتاح بالتحفظ، والثقة المطلقة بمسافة أمان محسوبة. يظن أن القلب سيظل كما كان، وأنه بمجرد عودته يمكن أن يستأنف المشهد من حيث توقف، كأن شيئًا لم يُكسر في الطريق.
لكن الحقيقة أن القلوب حين تُخذل لا تعود كما كانت، ليس لأنها فقدت قدرتها على الحب، بل لأنها فقدت استعدادها لأن تكون ساذجة مرة أخرى. هناك فارق كبير بين قلب كبر فنضج، وقلب انكسر فتعلم الحذر. التغير ليس دائمًا خيانة للماضي، بل أحيانًا يكون وفاءً للكرامة. والبرود الذي يشتكي منه البعض ليس غياب مشاعر، بل حضور ذاكرة لا تنسى بسهولة.
اقرأ أيضاً
رمضان بالأرقام.. خريطة تكشف أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم
حكم استخدام الحقن والمحاليل في نهار رمضان.. الإفتاء تجيب
فيروس شديد العدوى.. نفوق 72 نمراً في تايلاند والمسئولون يحاولون حماية البقية
قدم حالا| الموقع الرسمي لوزارة العمل.. تفاصيل الوظائف المعلنة وطريقة التقديم
رصاصة الغدر أول ليالي رمضان.. القبض على المتهم بقتل محامي خلال ذهابه لصلاة التراويح في قنا
تقرير: ترامب يبلغ الكونجرس بسعيه لاتفاق نووى مع السعودية
20 ضعفًا للمناطق المتميزة.. تفاصيل زيادات الإيجار القديم بعد الحصر
المواعيد الجديدة للمترو خلال رمضان.. مد ساعات التشغيل وتقليل زمن التقاطر
توقعات أسعار الذهب الفترة المقبلة في مصر
أسعار الذهب فى مصر اليوم الجمعة 20 فبراير 2026 لعيارى 21 و24
عاجل.. دار الإفتاء تحدد الحد الأدنى لزكاة الفطر والحد الأدنى للفدية
هاتفك يقرأ فمك قبل أن تنطق.. ماذا اشترت آبل من إسرائيل؟
الأكثر إيلامًا ليس الغدر ذاته، بل ذلك الاستغراب المصطنع بعده، تلك النظرة التي تلقي باللوم على من تألم لأنه لم يعد كما كان، وكأن المطلوب من الضحية أن تظل بنقاء اللحظة الأولى مهما تكررت الطعنات. كأن المشاعر مورد لا ينفد، وكأن الاحتمال بلا سقف، وكأن الكرامة يمكن تأجيلها إلى إشعار آخر.
القلوب لا تتحجر لأنها تريد أن تؤذي، بل لأنها تريد أن تحمي ما تبقى منها. تتغير لأنها تعلمت بالطريقة القاسية أن الطيبة غير المحمية تتحول إلى نقطة ضعف، وأن المسامحة المتكررة بلا وعي ليست فضيلة دائمًا، بل أحيانًا استدعاء مستمر للأذى.
لذلك حين يعود الغادر متسائلًا لماذا تبدلت القلوب وتحجرت المشاعر، فالإجابة ليست لغزًا معقدًا، بل نتيجة طبيعية لقانون بسيط: كل فعل يترك أثرًا، وكل خذلان يغير شيئًا، وكل رحيل بلا تقدير يُسقط جزءًا من البراءة. ومن أراد أن يجد القلب كما كان، كان عليه أن يحافظ عليه حين كان بين يديه، لا أن يختبر صبره ثم يتعجب من نتائجه في النهاية، ليست القلوب هي التي تخون طبيعتها، بل نحن من نُرهقها حتى تتخلى عن براءتها. ليست المشاعر هي التي تتحجر فجأة، بل الأمان حين يُهدر مرة بعد مرة يتحول إلى خوف صامت، والخوف يصنع جدارًا لا يراه إلا من اصطدم به متأخرًا. من يرحل بخساسة يترك خلفه إنسانًا يقف طويلًا أمام مرآته يسأل نفسه أين أخطأ، ثم يكتشف بعد وقت أن خطأه الوحيد كان أنه صدّق أكثر مما ينبغي وأعطى أكثر مما يحتمل الطرف الآخر. وحين يعود الغادر متعجبًا من برودة الاستقبال، يكون قد نسي أن القلوب ليست فنادق تُغلق وتُفتح حسب المواسم، وليست أرصفة ينتظر عليها العابرون حتى يقرروا الرجوع. القلوب إن انكسرت قد تُسامح، لكنها لا تنسى شكل اليد التي أسقطتها، وإن سامحت لا تعود بنفس الثقة، وإن عادت لا تعود بنفس الاندفاع. لذلك فالتبدل ليس جريمة، والقسوة أحيانًا ليست قسوة، بل شكل متأخر من أشكال النجاة. ومن أراد قلبًا كما كان، فليتعلم أولًا كيف يحافظ عليه حين يكون بين يديه، لأن بعض القلوب حين تتغير… لا تعود أبدًا، ليس لأنها لا تستطيع، بل لأنها أخيرًا تعلمت كيف تحمي نفسها










