السبت 16 مايو 2026 01:38 مـ 29 ذو القعدة 1447هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب:-التصالح مع النفس - حين يصبح العمر مجرد رقم

أخبار مصر 2050

في زحام هذه الحياة، وبين الضغوط التي لا تنتهي، والمعارك اليومية التي يخوضها الإنسان أحيانًا مع الناس وأحيانًا أخرى مع نفسه، يكتشف البعض متأخرين أن أعظم انتصار قد يحققه المرء في عمره ليس المال ولا الشهرة ولا المناصب ولا حتى الانتصارات التي يصفق لها الآخرون، وإنما أن يصل إلى تلك المرحلة النادرة من التصالح الحقيقي مع نفسه، وأن يحافظ وسط كل هذا الصخب على نقاء روحه، لأن الإنسان حين يخسر سلامه الداخلي يصبح وكأنه يشيخ ألف مرة حتى لو كان ما زال في مقتبل العمر، بينما ذلك الذي ينجح في حماية قلبه من القسوة، وروحه من التلوث، يظل شابًا مهما مرت عليه السنوات، وكأن العمر الحقيقي ليس عددًا يُكتب في بطاقة الهوية، بل حالة روح تسكن الإنسان وتمنحه القدرة على الحياة.

وحين يتصالح الإنسان مع نفسه فعلًا، يصبح آخر همّه من قال وماذا سيقال، لأنه يكون قد تجاوز تلك المرحلة المرهقة التي يعيش فيها البعض أسرى لنظرات الناس وآرائهم وأحكامهم، ويدرك أخيرًا أن أخطر ما قد يفعله الإنسان بنفسه هو أن يستهلك عمره بالكامل في محاولة إرضاء الجميع، بينما هو من الداخل غير راضٍ عن نفسه ولا عن حياته، فيبدأ لأول مرة في الالتفات إلى ما حققه هو، لا ما يراه الناس، وإلى إنجازاته الصغيرة التي ربما لا يراها أحد، لكنها بالنسبة له انتصارات عظيمة، كأن ينجو من يوم صعب دون أن ينكسر، أو يحافظ على أخلاقه رغم الاستفزاز، أو يقاوم رغبة الانتقام، أو يظل قادرًا على الابتسام رغم كل الضغوط التي تنهشه من الداخل.

فالإنسان الناضج روحيًا لا يقيس نجاحه فقط بحجم ما يملك، بل بحجم السلام الذي يحمله داخله، وبقدرته على أن يظل نقيًا في عالم أصبح التلوث النفسي فيه أسرع من أي شيء آخر، ولذلك نجد أن بعض البشر يملكون كل شيء تقريبًا، لكن أرواحهم مرهقة وقلوبهم ممتلئة بالضجيج، بينما هناك آخرون ربما لا يملكون الكثير، لكنهم يمتلكون راحة نفسية تجعلهم أكثر ثراءً من الجميع.

ومن أجمل علامات التصالح مع النفس أن تظل الضحكة الخارجة من القلب صافية حتى في عز الضغوط، لأن البعض يظن أن القوة تعني التجهّم والقسوة، بينما الحقيقة أن الإنسان القوي بحق هو الذي لا يسمح للحياة بأن تنتزع منه روحه الجميلة، فيضحك رغم التعب، ويواسي غيره رغم ألمه، ويحاول أن يكون مصدر بهجة حتى وهو يحمل فوق كتفيه ما يكفي لإسقاط جبل كامل من الهموم، لأن الأرواح الجميلة لا تنشر وجعها على الآخرين، بل تحاول دائمًا أن تخفف عنهم قسوة الأيام.

وحين يصبح الإنسان قادرًا على قول الحقيقة دون خوف، وعلى التعبير عن مشاعره دون حسابات مصلحة، فهذه ليست عفوية فقط، بل درجة عالية جدًا من الحرية الداخلية، لأن أكثر الناس تعبًا هم أولئك الذين يعيشون طوال الوقت وهم يرتدون الأقنعة، يخشون إظهار حقيقتهم، ويحسبون كل كلمة، وكل تصرف، وكل إحساس، خوفًا من خسارة صورة صنعوها لأنفسهم أمام الناس، بينما الإنسان المتصالح مع ذاته لا يحتاج إلى التمثيل، لأنه ببساطة لا يعيش ليحصل على التصفيق، بل ليكون مرتاح الضمير.

والأجمل من ذلك كله… أن تصل إلى مرحلة تفرح فيها بصدق لنجاح الآخرين، دون غيرة أو مقارنة أو شعور داخلي بالتهديد، لأن الروح النقية فقط هي التي تدرك أن نجاح غيرها لا ينتقص منها شيئًا، وأن أرزاق الحياة لا تُدار بمنطق المعارك، بل بمنطق القسمة والرحمة، ولذلك فإن الإنسان الذي يستطيع أن يصفق من قلبه لصديقه حين ينجح، هو إنسان انتصر على واحدة من أخطر أمراض البشر: المقارنة القاتلة.

ومن التصالح الحقيقي أيضًا… أن تقف أمام المرآة فترى روحك قبل شكلك، وأخلاقك قبل ملامحك، لأن الإنسان مع الوقت يدرك أن الجمال الذي يبهر العيون قد لا يريح القلوب، بينما الروح الجميلة تستطيع أن تمنح الآخرين شعورًا بالأمان لا تمنحه ألف ملامح جميلة، ولهذا فإن بعض البشر لا نتذكر تفاصيل وجوههم بقدر ما نتذكر ذلك السلام الذي تركوه داخل أرواحنا.

وحين يتوقف الإنسان عن تتبع أخبار الناس والانشغال بحياتهم وآرائهم، ويبدأ أخيرًا في الاهتمام بنفسه وبسلامه الداخلي، يشعر وكأنه تحرر من حمل ثقيل كان يستنزف عمره دون أن يشعر، لأن مراقبة الآخرين لا تصنع حياة، بل تسرق الحياة من أصحابها، بينما الإنسان الحقيقي هو الذي ينشغل بتطوير نفسه لا بتفتيش حياة غيره.

وما أجمل أن يحتفظ الإنسان رغم كل ما مرّ به بذلك الطفل الصغير المختبئ بداخله، فيضحك في الشارع بعفوية، ويلتقط الصور بلا تكلف، ويفرح بأشياء بسيطة كما لو كان يراها لأول مرة، لأن الطفولة الحقيقية ليست سنًا، بل روح، والإنسان الذي تنجح الحياة في قتل طفله الداخلي يصبح عجوزًا حتى لو كان في العشرين، بينما ذلك الذي يحافظ على دهشته وبراءته وبهجته يظل شابًا مهما مر الزمن.

وفي نهاية اليوم، حين يضع الإنسان رأسه على وسادته، ثم يسترجع تفاصيل يومه فيجد أنه كان سببًا ولو بسيطًا في إدخال السعادة على روح إنسان آخر، يشعر براحة لا تُشترى، لأن الضمير الهادئ أحد أعظم النعم التي قد يمنحها الله لعباده، ولأن السلام الداخلي لا يصنعه المال ولا الشهرة، بل تصنعه الرحمة ونظافة القلب.

حتى تلك اللحظات التي تختلط فيها الدموع بالضحكات، حين تسمع كلمة طيبة وسط انكسارك فتبتسم رغماً عنك، هي دليل على أن روحك ما زالت حية، وأن الحياة رغم كل قسوتها لم تنجح في إطفاء النور الذي بداخلك، وهذا في حد ذاته انتصار عظيم لا يشعر بقيمته إلا من مرّ كثيرًا من الوجع.

وحين تصل إلى مرحلة لا تخشى فيها انكشاف حقيقتك أمام الناس، ولا ترتعب من أن يراك الآخرون على طبيعتك، وتعيش بوضوح دون أقنعة أو ادعاءات، تكون قد امتلكت نوعًا نادرًا جدًا من الراحة، لأن أكثر البشر إرهاقًا هم أولئك الذين يقضون أعمارهم في حماية شخصيات وهمية صنعوها حتى ترضي الجميع.

وفي النهاية، سيكتشف الإنسان أن كثيرين قد يستطيعون تقليد مظهره أو طريقته أو نجاحه أو حتى كلماته، لكن أحدًا لن يستطيع أبدًا تقليد بصمة روحه، لأن الأرواح الصادقة لا تُستنسخ، ولا تُشترى، ولا تُصنع، بل تُولد نقية ثم تحاول الحياة بكل قسوتها أن تغيّرها، والقليل فقط هم من ينجحون في الحفاظ عليها حتى النهاية.

ولهذا… فإن الإنسان حين يتصالح مع نفسه، ويحافظ على نقاء روحه، ويتعلم أن يعيش بسلام وصدق وراحة ضمير، يصل تلقائيًا إلى تلك الحقيقة العميقة التي يبحث عنها كثيرون دون أن يفهموها؛ وهي أن العمر بالفعل ليس عدد سنوات، بل عمر روح، وأن الشباب الحقيقي ليس في ملامح الوجه، وإنما في قلب ما زال قادرًا على الحب، وروح ما زالت قادرة على البهجة، ونفس ما زالت تقول من أعماقها، بكل رضا ويقين: الحمد لله على كل شيء

اشرف محمدين

مواقيت الصلاة

السبت 01:38 مـ
29 ذو القعدة 1447 هـ 16 مايو 2026 م
مصر
الفجر 03:22
الشروق 05:01
الظهر 11:51
العصر 15:28
المغرب 18:42
العشاء 20:10