الثلاثاء 30 يونيو 2026 11:52 صـ 14 محرّم 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب:-تسعون دقيقة… قد تغيّر تاريخ جيل كامل

أخبار مصر 2050

هناك فارق كبير بين منتخب يشارك في كأس العالم، ومنتخب يبدأ في صناعة تاريخه داخل كأس العالم، والفارق لا تصنعه الأرقام وحدها، ولا عدد النقاط، ولا حتى ترتيب المجموعة، وإنما تصنعه تلك اللحظة التي يكتشف فيها اللاعبون أنهم لم يعودوا مجرد ضيوف على البطولة، بل أصبحوا أحد أبطالها، وأن الطريق الذي كانوا يحلمون بالسير فيه أصبح مفتوحًا أمامهم، وأن كل خطوة جديدة قد تكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الكرة المصرية. وهذا تحديدًا ما أشعر أن منتخب مصر وصل إليه بعد نهاية دور المجموعات، فقد دخل البطولة وسط كثير من الشكوك، لكنه خرج من المرحلة الأولى وهو يحمل شيئًا أهم كثيرًا من النقاط… يحمل ثقة جماهيره وثقة لاعبيه في أنفسهم، وهو السلاح الذي لا يمكن قياسه بالأرقام، لكنه كثيرًا ما يصنع الفارق بين منتخب يودع البطولة وآخر يواصل كتابة الحكاية.

ما أعجبني في المنتخب المصري خلال المباريات السابقة أنه لم يقع أسيرًا لفكرة تقديم كرة جميلة لإرضاء الجماهير أو الإعلام، بل لعب بعقل البطولة، وهي عقلية لا تتكرر كثيرًا في منتخباتنا، فكل مباراة كان لها شكلها، وكل منافس كانت له حساباته، ولم أشعر أن اللاعبين كانوا يركضون بعشوائية أو يبحثون عن الاستعراض، وإنما كانوا يدركون أن البطولات الكبرى لا تمنح جوائز على الاستحواذ، ولا على عدد التمريرات، وإنما تمنحها لمن يعرف كيف يخرج من المباراة وهو الطرف المنتصر، حتى وإن لم يكن الطرف الأجمل.

وربما لهذا السبب تحديدًا أرى أن التأهل إلى دور الاثنين والثلاثين ليس هو الإنجاز الحقيقي، وإنما الإنجاز هو الطريقة التي وصل بها المنتخب إلى هذه المرحلة، لأن الفريق بدا أكثر هدوءًا، وأكثر انضباطًا، وأكثر قدرة على استيعاب ظروف كل مباراة، فلم ينهار تحت الضغط، ولم يفقد توازنه عندما تعرض لبعض اللحظات الصعبة، بل تعامل معها بعقل بارد وروح قتالية، وهي صفات لا بد أن تتوافر في أي منتخب يحلم بالذهاب بعيدًا في بطولة بهذا الحجم.

أما الآن، فقد انتهت مرحلة الحسابات، ولم يعد هناك تعويض أو فرصة لإصلاح الأخطاء، لأن مباريات خروج المغلوب تختلف تمامًا عن دور المجموعات، ففي هذه المرحلة قد تضيع بطولة كاملة بسبب غفلة دفاعية استمرت ثواني، وقد يتحول إهدار فرصة واحدة إلى قصة يندم عليها أصحابها سنوات طويلة، ولذلك فإن مباراة أستراليا ستكون اختبارًا حقيقيًا للنضج أكثر من كونها اختبارًا للمهارة.

والحقيقة أن المنتخب الأسترالي ليس من المنتخبات التي تخطف الأبصار بالمهارات الفردية أو الأسماء اللامعة، لكنه من أكثر المنتخبات التزامًا وانضباطًا، ويتميز بقوة بدنية كبيرة وإيقاع مرتفع طوال المباراة، ولا يمنح منافسه رفاهية اللعب الهادئ، بل يفرض عليه صراعًا مستمرًا في كل كرة، ويجيد استغلال الكرات العرضية والكرات الثانية، ويملك شخصية لا تعرف الاستسلام، ولذلك فإن التعامل معه بعقلية أن المباراة سهلة سيكون أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه منتخب مصر.

ومن وجهة نظري، فإن مفتاح المباراة لن يكون في امتلاك الكرة، وإنما في حسن استخدامها، لأن الاستحواذ الذي لا يصنع فرصًا لا قيمة له، بينما قد تصنع ثلاث هجمات مرتدة منظمة الفارق كله. كما أن المنتخب المصري مطالب بأن يحافظ على توازنه طوال اللقاء، فلا يندفع بكل خطوطه بحثًا عن هدف مبكر يفتح خلفه المساحات، ولا يتراجع بشكل مبالغ فيه فيمنح المنافس الثقة والشجاعة، وإنما يلعب بثقة وهدوء، ويجبر أستراليا على ارتكاب الخطأ قبل أن يعاقبها عليه.

وسيكون التركيز في الكرات الثابتة واحدًا من أهم مفاتيح اللقاء، لأن مثل هذه المباريات كثيرًا ما تحسمها تفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها الكثيرون، وقد يكون ركنية أو خطأ على حدود منطقة الجزاء هو الفارق بين فريق يواصل المشوار وآخر يحزم حقائبه عائدًا إلى بلاده، كما أن الصبر سيكون مطلوبًا أكثر من أي وقت مضى، لأن الجماهير قد تتوتر إذا تأخر الهدف، أما اللاعبون فلا يملكون رفاهية التوتر، بل عليهم أن يدركوا أن الدقيقة الأخيرة تساوي الدقيقة الأولى، وأن الهدف الذي يأتي متأخرًا لا يقل قيمة عن الهدف المبكر، بل قد يكون أكثر تأثيرًا.

وأعتقد أن هذا المنتخب يملك فرصة حقيقية لعبور هذه المحطة إذا لعب بنفس الروح التي شاهدناها في دور المجموعات، وربما بدرجة أعلى من التركيز، لأن الإمكانات وحدها لا تكفي، والموهبة وحدها لا تصنع التاريخ، وإنما الذي يصنع التاريخ هو الإيمان، والانضباط، والقدرة على الصمود عندما تصبح الضغوط أكبر من أي وقت مضى.

وأتمنى أن يدخل لاعبو منتخب مصر هذه المباراة وهم لا يفكرون في أنهم وصلوا إلى دور الـ32، بل يفكرون في أنهم على بعد تسعين دقيقة فقط من الاقتراب أكثر من كتابة إنجاز سيظل محفورًا في ذاكرة الكرة المصرية سنوات طويلة، فالبطولات الكبرى لا تفتح أبواب المجد كل يوم، وإذا جاءتك الفرصة فلا يكفي أن تطرق الباب… بل يجب أن تدخل منه بكل شجاعة وثقة وإيمان بأن الأحلام الكبيرة لا تتحقق إلا لمن يجرؤ على مطاردتها.ولعل أجمل ما في هذه المباراة أنها ليست مجرد محطة جديدة في بطولة كأس العالم، وإنما فرصة نادرة قد لا تتكرر كثيرًا، فرصة لأن يكتب هذا الجيل اسمه بحروف من نور في تاريخ الكرة المصرية، وأن يثبت لنفسه قبل أي أحد أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالحظ، وإنما بالإيمان والعمل والانضباط والقدرة على تجاوز الخوف عندما يصبح الطريق أكثر صعوبة. لذلك أتمنى ألا ينشغل اللاعبون ولا أفراد الجهاز الفني بأي شيء سوى هذا الهدف الكبير، وألا يستهلكوا عقولهم في الضغوط أو حسابات ما بعد المباراة أو أسماء المنافسين، بل أن ينظروا فقط إلى التسعين دقيقة التي تفصلهم عن إنجاز قادر على تغيير مسار كرة القدم المصرية لسنوات طويلة، لأن الانتصارات الكبرى لا تغيّر نتائج بطولة واحدة فحسب، بل تغيّر ثقافة أجيال كاملة، وتزرع في نفوس الصغار إيمانًا بأن الوصول إلى المراحل البعيدة ليس استثناءً، وإنما هدف يمكن تحقيقه كلما توافرت الإرادة والعلم والتخطيط. إن أمام هذا المنتخب فرصة ليمنح المصريين لحظة جديدة يفخرون بها، وليفتح بابًا ظل مغلقًا طويلًا أمام الكرة المصرية، فإذا لعب بروحه التي عهدناها، وبتركيزه الذي أوصله إلى هذه المرحلة، وبطموحه الذي لا يعترف بالسقف، فقد لا يكون الفوز على أستراليا مجرد انتصار في مباراة، بل قد يكون بداية عصر جديد تنظر فيه الكرة المصرية إلى العالم بعين الواثق، ويبدأ العالم في النظر إلى مصر باعتبارها منتخبًا لا يكتفي بالمشاركة في المونديال، بل يذهب إليه كل مرة وهو مؤمن بأنه قادر على صناعة التاريخ، لأن التاريخ لا يكتبه من يخشى الحلم، وإنما يكتبه أولئك الذين يؤمنون أن المستحيل ليس إلا كلمة تنتظر من يجرؤ على إسقاطها

اشرف محمدين

مواقيت الصلاة

الثلاثاء 11:52 صـ
14 محرّم 1448 هـ 30 يونيو 2026 م
مصر
الفجر 03:11
الشروق 04:57
الظهر 11:59
العصر 15:34
المغرب 19:00
العشاء 20:34