الثلاثاء 7 يوليو 2026 03:55 مـ 21 محرّم 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب:-كأس العالم يعيد الاعتبار للمدرب الوطني

أخبار مصر 2050

لسنوات طويلة، سيطر اعتقاد داخل أوساط كرة القدم بأن المدرب الأجنبي هو الطريق الأقصر إلى النجاح، وأن الخبرة الأوروبية وحدها قادرة على صناعة البطولات، حتى أصبحت كثير من الاتحادات والأندية تتعامل مع المدرب الوطني باعتباره مجرد حل مؤقت، أو رجلًا لإطفاء الحرائق، بينما تُمنح المشاريع طويلة الأجل دائمًا للأجنبي.

لكن كأس العالم 2026 جاءت لتقول إن الحقيقة أكثر تعقيدًا من هذه الصورة النمطية.

فمع انطلاق البطولة، كان هناك 20 مدربًا وطنيًا فقط يقودون منتخباتهم من أصل 48 منتخبًا مشاركًا، أي أقل من نصف عدد المنتخبات. ورغم ذلك، ومع الوصول إلى دور الستة عشر، ارتفع عدد المدربين الوطنيين إلى تسعة من أصل ستة عشر، بينما أصبح عدد المدربين الأجانب سبعة فقط.

وربما لا تبدو هذه الأرقام كبيرة للبعض، لكنها تحمل رسالة مهمة؛ فكلما ارتفع مستوى المنافسة وازدادت الضغوط، ظل المدرب الوطني حاضرًا بقوة، بل أصبح يمثل الأغلبية في الأدوار الإقصائية.

وليس المقصود هنا أن المدرب الوطني أفضل من الأجنبي على إطلاقها، فهناك مدربون أجانب صنعوا تاريخًا سيظل يُدرَّس، كما أن هناك مدربين وطنيين لم ينجحوا في تجاربهم. لكن المقصود أن معيار النجاح لا يجب أن يكون جواز السفر، وإنما الكفاءة، والقدرة على قيادة المجموعة، وفهم شخصية اللاعب، وإدارة الضغوط.

فالمدرب الوطني يمتلك أحيانًا ما لا يمكن تدريسه في أي دورة تدريبية؛ فهو يعرف ثقافة شعبه، ويفهم عقلية لاعبيه، ويشعر بنبض الشارع، ويُدرك حساسية كل مباراة، ويعرف متى يحتاج اللاعب إلى الشدة، ومتى يحتاج إلى الاحتواء، ومتى يكون الكلام أهم من التدريب نفسه.

وفي البطولات الكبرى، لا تُحسم المباريات دائمًا بالخطط التكتيكية فقط، بل تُحسم أيضًا بالانتماء، والثقة، والقدرة على شحن اللاعبين نفسيًا. وهنا يظهر دور المدرب الوطني الذي لا يدافع عن عقد عمل، بل يدافع عن علم بلاده، وعن حلم عاشه منذ كان طفلًا.

كما أن اللاعب نفسه يشعر، في كثير من الأحيان، بأن من يقف أمامه ليس مجرد مدير فني، بل شخص عاش نفس البيئة، ويحمل نفس الهموم، ويتحدث بنفس اللغة، ويفهم تفاصيل لا تُكتب في التقارير الفنية.

ومن المؤسف أن بعض إدارات الأندية والاتحادات ما زالت تنظر إلى المدرب الوطني باعتباره أقل قيمة من الأجنبي، حتى لو كانت شهاداته وخبراته متقاربة، وكأن النجاح يأتي مع ختم جواز السفر، لا مع الفكر والعمل والاجتهاد.

لقد أثبتت كرة القدم مرارًا أن المدرب الكبير ليس جنسية، وإنما شخصية، وليس لغة، وإنما رؤية، وليس اسمًا لامعًا، وإنما مشروع متكامل.

وربما يكون الدرس الأهم الذي قدمه كأس العالم الحالي هو أن الثقة في الكفاءات الوطنية ليست مجاملة، وليست شعارًا للاستهلاك الإعلامي، وإنما خيار فني قد يقود إلى النجاح إذا توافرت له الأدوات والدعم والاستقرار.

ولعل الوقت قد حان لإعادة تقييم كثير من الأفكار التي ترسخت في كرة القدم، وعلى رأسها أن المدرب الأجنبي هو الحل السحري لكل الأزمات. فالأرقام، في هذه البطولة على الأقل، قالت شيئًا مختلفًا، ودعت الجميع إلى مراجعة قناعات قديمة، وإعطاء المدرب الوطني المكانة التي يستحقها، ليس لأنه ابن البلد… بل لأنه قد يكون بالفعل الأفضل لقيادة أبناء بلده وفي النهاية قد لا يفوز المدرب الوطني في كل مرة، وربما يظل المدرب الأجنبي أحد أهم أسباب التطور الكروي في كثير من البلدان، لكن ما كشفته هذه النسخة من كأس العالم يستحق أن نتوقف أمامه بهدوء. فكلما ارتفعت درجة الضغط، وضاقت المسافات بين الحلم والخروج، وجدنا أبناء الوطن حاضرين بقوة على مقاعد القيادة. وكأن هناك لحظات لا تُقاس فيها الخبرة بالشهادات والسير الذاتية، بل تُقاس بمدى معرفة المدرب بنبض شعبه، وإيمانه بقميص منتخب بلاده، وقدرته على تحويل الانتماء إلى طاقة، والهوية إلى دافع، والحلم المشترك إلى واقع.

ولعل الرسالة الأهم ليست أن المدرب الوطني أفضل دائمًا، ولا أن المدرب الأجنبي أقل قيمة، فهذه أحكام مطلقة لا تعترف بها كرة القدم. وإنما الرسالة أن النجاح الحقيقي يبدأ عندما تختار الشخص المناسب للمهمة المناسبة، بعيدًا عن الانبهار بالجنسية أو الاسم أو الشهرة. فالمدرب لا يصنعه جواز سفره، وإنما يصنعه علمه وشخصيته وقدرته على قيادة الرجال في أصعب اللحظات.

ويبقى السؤال الذي تفرضه أرقام كأس العالم 2026: إذا كانت المنتخبات الكبرى نفسها بدأت تستعيد ثقتها في أبناء الوطن عندما اقتربت البطولة من مراحل الحسم، فلماذا لا نراجع نحن أيضًا بعض قناعاتنا؟ فربما لا يكون الحل دائمًا في البحث عمن يأتي من بعيد… وربما يكون أقرب طريق إلى القمة هو أن نؤمن أولًا بمن يعرف الطريق لأنه نشأ عليه، وحلم به، وعاش تفاصيله منذ البداية

مقالات

مواقيت الصلاة

الثلاثاء 03:55 مـ
21 محرّم 1448 هـ 07 يوليو 2026 م
مصر
الفجر 03:15
الشروق 05:00
الظهر 11:60
العصر 15:36
المغرب 19:00
العشاء 20:32