اشرف محمدين يكتب :-التحكيم لا يُعفي من الحساب… ومصر خسرت مرتين أمام الأرجنتين
التحكيم لا يُعفي من الحساب… ومصر خسرت مرتين أمام الأرجنتين
لا أحد يستطيع أن ينكر أن مباراة مصر والأرجنتين ستظل واحدة من أكثر مباريات كأس العالم إثارةً للجدل التحكيمي، ليس فقط بسبب الهدف الملغي أو اللقطات التي انقسم حولها الخبراء، وإنما لأن شعورًا عامًا سيطر على الجماهير المصرية بأن ميزان العدالة لم يكن متوازنًا في بعض لحظات اللقاء، وهو شعور يستحق الاحترام ويستحق كذلك أن يخضع للتحليل القانوني والفني بعيدًا عن الانفعال أو الاتهامات المجانية، لأن كرة القدم في النهاية لا تُبنى على المشاعر وحدها، وإنما على قراءة الوقائع كما حدثت داخل المستطيل الأخضر.
لكن في المقابل، فإن احترامنا لحق منتخب مصر في مناقشة القرارات التحكيمية لا يجب أن يتحول إلى محاولة للهروب من الحقيقة الفنية التي كشفتها الدقائق الأخيرة من المباراة، لأن المنتخبات الكبيرة لا تتوقف طويلًا أمام قرار حكم، بل تبحث أولًا عن أخطائها قبل أن تبحث عن أخطاء الآخرين، وتدرك أن البطولات الكبرى لا ترحم من يفقد تركيزه بعد صافرة أو قرار، وإنما تكافئ من يستطيع استعادة توازنه سريعًا مهما كانت الظروف.
لقد نجح المنتخب المصري طوال معظم فترات اللقاء في تقديم مباراة كبيرة أمام أحد أقوى منتخبات العالم، بل وأجبر الأرجنتين في أوقات كثيرة على البحث عن حلول لم تكن ضمن حساباتها، وهو ما منح الجماهير المصرية الحق في أن تحلم وأن تؤمن بإمكانية تحقيق إنجاز تاريخي، لكن مباريات كأس العالم كثيرًا ما تُحسم في تفاصيلها الأخيرة، وحين يصل اللقاء إلى تلك المرحلة تصبح سرعة القراءة الفنية أهم من جودة البداية.
ومن وجهة نظري، فإن اللحظة الفاصلة في المباراة لم تكن فقط في الجدل التحكيمي، وإنما في التحول التكتيكي الذي أجراه المنتخب الأرجنتيني خلال الربع ساعة الأخيرة، فقد أدرك المدير الفني للأرجنتين أن الاختراق من العمق لم يعد يمنحه المساحات التي يبحث عنها أمام التنظيم الدفاعي المصري، فغيّر فلسفة الهجوم بالكامل، وانتقل إلى الاعتماد بصورة واضحة على الكرات العرضية، مستغلًا الإمكانات الاستثنائية لليونيل ميسي في إرسال الكرات الدقيقة إلى داخل منطقة الجزاء، فتحولت الجبهة الهجومية الأرجنتينية من البحث عن الاختراق الأرضي إلى استهداف التفوق الهوائي.
وهنا كان يجب أن تأتي استجابة الجهاز الفني المصري بالسرعة نفسها التي قرأ بها المنافس المباراة، لأن كرة القدم الحديثة لا تُدار بما بدأ به اللقاء، وإنما بما يفرضه تطوره دقيقة بعد أخرى، وكان من المنطقي في تلك اللحظات الدفع بحسام عبد المجيد إلى جوار رامي ربيعة وياسر إبراهيم لتكوين ثلاثي دفاعي أكثر قوة في التعامل مع الكرات العرضية والالتحامات الهوائية، وإغلاق المساحات التي بدأت تظهر داخل منطقة الجزاء مع تكرار العرضيات القادمة من قدم ميسي، خاصة أن ملامح الخطر أصبحت واضحة أكثر من مرة قبل أن تدفع مصر الثمن.
إن المدير الفني الناجح لا يكتفي برد الفعل بعد استقبال الهدف، بل يستبق الخطر قبل أن يتحول إلى واقع، وهذا تحديدًا ما نجحت فيه الأرجنتين وفشلنا فيه خلال الدقائق الأخيرة، حيث قرأ المنافس المباراة بصورة أسرع، بينما تأخر رد الفعل المصري أمام تغير واضح في أسلوب اللعب، فتحولت الكرات العرضية إلى السلاح الذي حسم المواجهة.
ومن حق مصر، بل من واجبها، أن تطلب تفسيرًا واضحًا لكل القرارات التحكيمية المثيرة للجدل، وأن تناقشها وفق اللوائح والقوانين، لأن العدالة جزء أصيل من روح المنافسة، لكن من واجبنا أيضًا أن نعترف بأن المنتخب خسر معركة أخرى داخل الملعب، وهي معركة التكيف مع المتغيرات التكتيكية، وأن الانهيار الذي شهدته الدقائق الأخيرة لا يمكن تفسيره بالتحكيم وحده، لأن المباراة كانت لا تزال تمنح مصر فرصة للحفاظ على النتيجة لو تمت قراءة التحول الأرجنتيني والتعامل معه بالشكل المناسب.
ولعل القيمة الحقيقية لأي هزيمة ليست في حجم الألم الذي تتركه، وإنما في مقدار الدرس الذي تمنحه لمن يريد أن يتطور، لأن المباريات الكبيرة لا تكشف فقط أخطاء الحكام، بل تكشف أيضًا قدرة الأجهزة الفنية على قراءة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق بين التأهل والوداع، وبين الحلم الذي يكتمل والحلم الذي يتوقف على أعتاب النهاية
و في النهاية
قد يختلف الناس طويلًا حول صحة قرار تحكيمي أو هدف أُلغي أو مخالفة احتُسبت، وقد تبقى بعض المباريات عالقة في ذاكرة الجماهير باعتبارها ضحية للجدل أكثر من كونها ضحية للهزيمة، لكن المنتخبات الكبيرة لا تبني مستقبلها على انتظار إنصاف الماضي، وإنما تبنيه على تصحيح أخطاء الحاضر، لأن الحكم قد يخطئ مرة، أما الفريق الذي لا يتعلم من أخطائه فإنه يعاقب نفسه في كل مباراة، وتلك هي الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها إذا أردنا أن يعود منتخب مصر يومًا ليس فقط منافسًا للكبار… بل واحدًا منهم











