منال منير تكتب « صناعة الكورسات الرقمية بين المتعة التعليمية والتسويق المبالغ فيه»
هل نشتري المعرفة أم وهم الاحتراف؟
في عصر يموج بالمحتوى الرقمي، باتت صناعة "الكورسات الرقمية" واحدة من أكثر مجالات الربح الجانبي رواجاً على الإنترنت. لكن خلف هذا الازدهار، تتداخل الحدود بين التعليم الحقيقي والتسويق المبالغ فيه، لتتشكل مساحة ضبابية يسهل فيها تضليل الراغبين في تطوير أنفسهم.
وفقاً لتقديرات شركة Grand View Research، من المتوقع أن تقفز إيرادات سوق التعليم الرقمي إلى 134 مليار دولار بحلول عام 2030. هذا النمو الهائل لم يأتِ من فراغ؛ إذ سهّلت المنصات الرقمية ووسائل التواصل وصول أي شخص إلى آلاف الدورات التدريبية بنقرة زر. لكن في المقابل، فتح هذا الانفتاح الباب أمام موجة جديدة من "الخبراء" الذين تساوي "خبرتهم" على الإنترنت مقدار الثقة بالنفس لا المعرفة الفعلية.
الخبرة المهزوزة والذكاء الاصطناعي.. أزمة ثقة جديدة
المفارقة أن من يقدّمون هذه الدورات ليسوا بالضرورة متخصصين، بل أشخاص أتقنوا فن التسويق الشخصي وبناء صورة "المؤثر التعليمي". أما مع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT على الخط، فقد أصبح إنتاج المحتوى السريع أمراً في متناول الجميع، ما زاد من الشكوك حول قيمة هذه البرامج. فلم يعد صعباً على أي شخص أن يولد عشرات الساعات من المحاضرات بصريح النص، دون أن يمتلك عمقاً معرفياً أو ترخيماً أكاديمياً.
هذا الواقع دفع حتى بعض المؤثرين الذين يواصلون تقديم برامج تدريبية إلى الاعتراف بأن السوق لم تعد مزدهرة كما كانت خلال جائحة كورونا، حين اضطر الملايين إلى البقاء في منازلهم وأقبلوا على التعلم الرقمي بحماس غير مسبوق. اليوم، يعود الجمهور إلى انتقائية أكبر، ويبحث عن قيمة حقيقية لا عن وعود براقة تحت عنوان "احترف في أسبوع".
الحاجة إلى وعي استهلاكي رقمي
مع تزايد حجم العروض، يظل السؤال الأهم: كيف نميز بين الكورس المفيد وآخر يعتمد على التسويق المبالغ فيه؟ الإجابة تبدأ من التحقق من مصدر المحتوى، والبحث عن آراء مستقلة، وعدم الانخداع بشهادات مجهولة أو أرقام مضخمة. الأهم هو أن ندرك أن التعلم الحقيقي يحتاج إلى وقت وجهد وتطبيق، ليس مجرد شهود إتمام ومقاطع فيديو جذابة.
في النهاية، يبقى التعليم الرقمي أداة قوية إذا استُخدمت بحكمة، لكنه في غياب الوعي قد يتحول إلى مجرد فقاعة أخرى تتبخر بسرعة. ويبقى القول الأصدق: "ليس كل من هتف 'أنا خبير' على الإنترنت أصبح كذلك".










