”صانعة السلام”... خلايا بجهاز المناعة قد تفتح الباب لعلاج أمراض مزمنة
الخلايا التائية التنظيمية يمكن أن تتحول إلى أدوية حية لتهدئة الالتهاب واستعادة التوازن المناعي. صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
قال باحثون إن نوعاً من الخلايا المناعية يُعرف باسم "الخلايا التائية التنظيمية" قد يمهد الطريق لعلاجات جديدة قادرة على تهدئة الالتهاب واستعادة التوازن المناعي، بما قد يساعد مستقبلاً في تحقيق هدوء طويل الأمد في أمراض تتراوح من السكري من النوع الأول إلى الاضطرابات العصبية التنكسية.
وذكر الباحثون في ورقة علمية نُشرت في دورية Frontiers in Science أن هذه الخلايا، التي توصف أحياناً بأنها "صانعة السلام" داخل جهاز المناعة، يمكن أن تتحول إلى "أدوية حية" مصممة للتعامل مع أمراض يلعب فيها الالتهاب أو اضطراب التحمل المناعي دوراً رئيسياً.
وتزايد الاهتمام خلال السنوات الأخيرة بدور الالتهاب في مجموعة واسعة من الأمراض، ومنها السرطان والسكري والعدوى المزمنة إلى أمراض القلب والأوعية الدموية، والأمراض العصبية التنكسية، واضطرابات الحمل، وأمراض التمثيل الغذائي، والتليف، والشيخوخة.
إصلاح الأنسجة
وتعمل الخلايا التائية التنظيمية، أو Tregs، عادة على منع جهاز المناعة من مهاجمة أنسجة الجسم. ولهذا السبب ينظر إليها العلماء كأداة محتملة لاستعادة "التحمل المناعي"، أي قدرة الجسم على التمييز بين ما يجب مهاجمته وما يجب تركه دون ضرر.
وأشار الباحثون إلى أن الالتهاب غير المنضبط يقع في قلب كثير من الأمراض البشرية، إذ أن الخلايا التائية التنظيمية تقدم "واحدة من أكثر الفرص إثارة في الطب الحديث". وأضافوا أن دور هذه الخلايا لا يقتصر على كبح المناعة، بل قد يمتد إلى إصلاح الأنسجة، واستقرار التمثيل الغذائي، وإبقاء الالتهاب تحت السيطرة.
ورأى الباحثون أن هذا النهج قد يكون مهماً بصفة خاصة في أمراض المناعة الذاتية ورفض الأعضاء المزروعة، حيث يعتمد العلاج الحالي غالباً على أدوية قوية تثبط جهاز المناعة على نطاق واسع. ورغم فاعلية هذه الأدوية في بعض الحالات، فإنها قد تزيد خطر العدوى ومضاعفات أخرى لأنها لا تستهدف الخلل المناعي بدقة.
وأشارت الورقة البحثية إلى أن استخدام الخلايا التائية التنظيمية قد يساعد في الانتقال من فكرة "إخماد" المناعة عموماً إلى استعادة توازنها بدقة أكبر، بما يسمح بسيطرة أطول على المرض بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأعراض بعد حدوث تلف في الأنسجة.
وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، فريد رامسديل، والحاصل على جائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء عام 2025 عن اكتشافاته المرتبطة بالتحمل المناعي، إن التطور في أدوات الهندسة الجينية والنهج العلاجية المركبة قد يغير طريقة استعادة التحمل المناعي والحفاظ عليه.
وأوضحت الدراسة أن دور هذه الخلايا ليس واحداً في كل الأمراض، ففي أمراض المناعة الذاتية والالتهاب المزمن قد يكون تعزيز نشاطها مفيداً لأنه يحد من هجوم المناعة على الجسم. أما في السرطان، فقد تستغل الأورام آليات التحمل نفسها للهروب من هجوم الجهاز المناعي.
ولهذا السبب، لفت الباحثون إلى أن الجيل التالي من العلاجات المعتمدة على هذه الخلايا يجب أن يكون مصمماً بحسب المرض والسياق البيولوجي. ففي بعض الحالات قد يكون الهدف هو تقوية الخلايا التائية التنظيمية لاستعادة الهدوء المناعي، بينما قد يكون المطلوب في السرطان هو تعطيل بعض آليات التحمل التي تحمي الورم.
وذكرت الدراسة أن التقييمات المبكرة لاستخدام هذه الخلايا في أمراض المناعة الذاتية ورفض الزرع أظهرت مؤشرات جيدة من حيث التحمل والسلامة، إلى جانب دلائل أولية على فائدة سريرية محتملة. لكنها أكدت أن الطريق لا يزال يتطلب تطويراً دقيقاً قبل تحويل هذه المقاربة إلى علاجات واسعة الاستخدام.
وقال الباحثون إن المرحلة المقبلة تعتمد على تحقيق ثلاث درجات من الدقة: تصميم العلاج نفسه بحيث يستهدف المسار الصحيح ويبقى مستقراً وفعالاً، وضبط نشاطه داخل النسيج المناسب وفي التوقيت المناسب، واختيار المرضى بناء على نمطهم المناعي أو مرحلة المرض أو مؤشرات حيوية يمكنها توقع الاستجابة.
مقاربات جينية
وقال رامسديل إن النجاح في النهاية سيتوقف على إيصال "الخلايا التائية التنظيمية الصحيحة، بالطريقة الصحيحة، إلى النسيج الصحيح، في التوقيت الصحيح".
وتشمل الأدوات الجديدة التي قد تدفع المجال إلى الأمام تطوير خلايا تائية تنظيمية جاهزة للاستخدام، بدل تصنيعها لكل مريض على حدة، إضافة إلى مقاربات جينية يمكنها برمجة هذه الخلايا داخل الجسم. كما يجري بحث استراتيجيات تجمع هذه الخلايا مع سيتوكينات أو أدوية معدلة للمناعة لتعزيز بقائها ووظيفتها وتقليل الضغط الالتهابي حولها.
وقالت المؤلفة المشاركة في الدراسة، تشيزي تانج، من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكوإن الأسس التقنية أصبحت متاحة، وقد يصبح من الممكن قريباً تحويل العلاج من التثبيط المناعي الواسع إلى استعادة تحمل مناعي دقيق.
وأضاف الباحثون أن تحويل هذا المجال إلى واقع علاجي سيتطلب استثماراً طويل المدى، وتعاوناً بين تخصصات متعددة، وشراكة مع الجهات التنظيمية، وتمويلاً قادراً على دعم التطوير السريري وتوسيع الوصول إلى العلاج.
وتحدَّث الباحثون عن أن العلاجات الخلوية مثل الخلايا التائية التنظيمية قد تصبح، مع استمرار الاستثمار، ركيزة جديدة في الطب إلى جانب الأدوية الصغيرة، والعلاجات البيولوجية، والعلاجات الجينية، مؤكدين أن هذه المقاربة قد تفتح الباب أمام علاج أمراض كان يعتقد سابقاً أنها غير قابلة للشفاء










