الدكتور بدر عبدالعاطى وزير الخارجية والتعاون الدولى فى حوار لـ«المصرى اليوم»: الأمن القومى العربى كلٌّ لا يتجزأ.. ونرفض أى تهديد لأمن واستقرار منطقة الخليج
فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، تتسارع فيه الأزمات والتطورات الجيوسياسية التى تشهدها منطقة الشرق الأوسط على نحو غير مسبوق لم تشهده من قبل على مدار تاريخها، تأتى أهمية الحوار مع الدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية والتعاون الدولى وشؤون المصريين فى الخارج، لـ«المصرى اليوم»، ليقدم قراءة شاملة لمواقف الدولة المصرية تجاه عدد من القضايا الأكثر تعقيدًا وتأثيرًا ليس فقط على أمن واستقرار المنطقة، بل العالم أجمع.
فى الحوار يتطرق الدكتور بدر عبدالعاطى إلى العلاقات بين مصر وشقيقاتها فى دول الخليج العربى، مشددًا على رفض مصر، بشكل قاطع لا لبس فيه، أى تهديد لأمن واستقرار منطقة الخليج، مؤكدًا تضامنها الكامل مع الأشقاء فى الخليج فى مواجهة الهجمات التى تستهدفهم.
وتطرق وزير الخارجية إلى التطورات فى قطاع غزة، مؤكدًا أن المنطقة لن تشهد استقرارًا أو سلامًا مستدامًا ما لم يتم منح الشعب الفلسطينى جميع حقوقه المشروعة، وأن يتمكن من ممارسة حقه فى تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وفقًا لمقررات الشرعية الدولية على خطوط الرابع من يونيو ١٩٦٧.كما تطرق الدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية، فى حواره إلى التطورات فى منطقة القرن الأفريقى وأمن البحر الأحمر، فى ظل الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة بالنسبة لمصر، فضلًا عن تطورات الأزمة السودانية وتداعياتها على الأمن الإقليمى، والجهود المصرية الرامية إلى دعم استقرار السودان والحفاظ على وحدته وسلامة أراضيه.
كيف تنظر الخارجية المصرية إلى التهديدات المتكررة للملاحة فى مضيق هرمز والتعديات التى طالت السعودية ودول الخليج، وما هى حدود دور الوساطة أو التهدئة الذى يمكن أن تلعبه القاهرة لمنع انفجار صراع إقليمى؟
- ما يجمع مصر والدول الخليجية من روابط أخوية راسخة وعلاقات تاريخية ومصير مشترك معلوم بالضرورة للجميع، ونرفض بشكل قاطع لا لبس فيه أى تهديد لأمن واستقرار منطقة الخليج، أو لحرية الملاحة فى الممرات المائية الدولية، بما فى ذلك مضيق هرمز. كما ندين كافة الاعتداءات التى تستهدف الدول الخليجية الشقيقة والمنشآت المدنية والمرافق الحيوية التى تهدد أمن وسلامة الملاحة والتجارة الدولية، ونشدد على تضامننا الكامل مع الأشقاء فى الخليج فى مواجهة هذه الهجمات، خاصة أن الأمن القومى العربى كلٌّ لا يتجزأ.
ونواصل اتصالاتنا مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية لدعم جهود التهدئة وخفض التصعيد، وصولًا إلى الوقف الفورى لكافة الأعمال العسكرية، والعودة إلى مسار التفاوض، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية بما يسهم فى احتواء التوترات ومنع انزلاق المنطقة إلى دائرة أوسع من الصراع، والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة وتجنيب شعوبها المزيد من التداعيات الإنسانية والاقتصادية
.
ما هو تصور مصر للترتيبات الأمنية والسياسية والإدارية فى قطاع غزة لمرحلة ما بعد وقف الحرب، وكيف تؤكد القاهرة على عدم تجزئة الحل السلمى أو مساسه بخطوط الرابع من يونيو ١٩٦٧؟ وكيف تخطط مصر لقيادة أو المشاركة فى جهود إعادة إعمار قطاع غزة بالتنسيق مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولى حال التوصل لوقف دائم لإطلاق النار؟
- تابعتم جميعًا الإعلان عن التوصل إلى خارطة الطريق بشأن استكمال تنفيذ خطة الرئيس «ترامب» الشاملة للسلام فى قطاع غزة، وهو تطور تنظر إليه مصر باعتباره خطوة رئيسية على صعيد تنفيذ الخطة، ويعكس تتويجًا للجهود المكثفة والمعقدة التى اضطلعت بها مصر، إلى جانب الولايات المتحدة، ودولة قطر، وجمهورية تركيا، من أجل بناء توافق وطنى فلسطينى على حصر السلاح. وتؤكد مصر أن الأولوية فى المرحلة الحالية تتمثل فى التزام كافة الأطراف، ولاسيما الجانب الإسرائيلى، بتنفيذ خارطة الطريق بكافة بنودها بما يمهد لتدشين مكونات المرحلة الانتقالية فى داخل القطاع، واستكمال المراحل التالية من خطة الرئيس «ترامب» للسلام، وصولًا إلى عودة السلطة الفلسطينية للاضطلاع بمهامها من داخل القطاع وإقامة الدولة الفلسطينية.
لذلك، نركز حاليًا على التأكد من تنفيذ إسرائيل لكافة استحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكى، بما يضمن تثبيت وقف إطلاق النار، وتدفق المساعدات الإنسانية، والعمل على الدخول مباشرة فى تنفيذ المرحلة الثانية، بما فى ذلك الانسحاب الإسرائيلى من القطاع، والانتقال إلى التعافى المبكر وإعادة الإعمار، فضلًا عن تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة مهامها داخل القطاع باعتبارها إدارة فلسطينية مؤقتة، إلى جانب نشر قوات الشرطة الفلسطينية للاضطلاع بمهامها فى حفظ الأمن بالقطاع وقوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار ودعم ترتيبات التهدئة، مع الحفاظ على وحدة الأراضى الفلسطينية.
إن المرحلة الدقيقة التى تمر بها القضية الفلسطينية تتطلب التعامل بقدر عالٍ من الحكمة، بهدف رئيسى وهو حقن دماء الشعب الفلسطينى ودعم صموده وبقائه على أرضه للحيلولة دون تصفية القضية الفلسطينية، وللحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى.
ونرى أن المنطقة لن تشهد استقرارًا أو سلامًا مستدامًا ما لم يتم منح الشعب الفلسطينى كافة حقوقه المشروعة، وأن يتمكن من ممارسة حقه فى تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وفقًا لمقررات الشرعية الدولية على خطوط الرابع من يونيو ١٩٦٧.
ومن جانب آخر، يجب العمل على وقف الإجراءات الأحادية التى تستهدف خلق وقائع جديدة على الأرض وتقويض أى أفق لحل الدولتين، ولم يعد من المقبول غض الطرف عن تصاعد عنف المستوطنين وممارساتهم المستهجنة فى الضفة الغربية، فضلًا عن المنحى التصاعدى للاقتحامات والاستفزازات فى المسجد الأقصى، وتحذر مصر من خطورة تلك الممارسات، وتؤكد على أهمية اضطلاع المجتمع الدولى بمسؤولياته تجاه وقف كافة الإجراءات التى من شأنها تقويض أفق السلام والتعايش بين شعوب المنطقة.
وفى هذا الإطار، تشارك مصر فى اجتماع «اللجنة الوزارية العربية المكلفة بالتحرك الدولى لمواجهة السياسات والإجراءات الإسرائيلية غير القانونية فى مدينة القدس المحتلة»، الذى تستضيفه العاصمة الأردنية عمّان لبحث سبل التصدى للتصعيد الإسرائيلى فى الضفة الغربية والقدس.
ما هى رؤية مصر إزاء التطورات الجارية فى الأزمة السودانية؟
- تولى مصر الأزمة السودانية أولوية خاصة على ضوء العلاقات الأزلية التى تربط مصر بالسودان على المستويين الرسمى والشعبى، فضلًا عن اتصالها المباشر بالأمن القومى المصرى، وأمن واستقرار المنطقة، ويرتكز الموقف المصرى على ضرورة الاحترام الكامل لسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ورفض أى كيانات حكم موازية من شأنها المساس بوحدة الدولة السودانية أو شرعية مؤسساتها الوطنية. ونؤكد دائمًا أن الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية ودعمها يمثل الضمانة الأساسية لاستعادة الأمن والاستقرار، وأذكر فى هذا الخصوص البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية المصرية فى ديسمبر ٢٠٢٥ الذى حدد الخطوط الحمراء لمصر بوضوح.
ونعمل مع شركائنا لإنهاء الحرب فى السودان لرفع المعاناة عن الشعب السودانى الشقيق، حيث نواصل الاتصالات المكثفة مع الأطراف السودانية، إلى جانب التشاور المستمر مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بهدف تهيئة الظروف لإطلاق مسار سياسى شامل بملكية سودانية. كما نواصل التنسيق الوثيق مع الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة فى السودان، خاصة الشقيقتين السعودية والإمارات، والولايات المتحدة فى إطار الآلية الرباعية، بما يسهم فى توحيد الجهود الرامية إلى احتواء الأزمة ودعم الاستقرار فى السودان.
نولى كذلك ملف إعادة الإعمار فى السودان الشقيق أهمية خاصة، ويوجد استعداد لدى الشركات المصرية المختلفة للمساهمة الفعالة فى جهود إعادة إعمار ما دمرته الحرب فى السودان بالاستفادة من الإمكانات والخبرات المتميزة التى تتمتع بها شركاتنا، وبما يسهم فى دعم جهود إعادة الأمن والاستقرار لهذا البلد الشقيق، وتحقيق التنمية فيه بما يحقق آمال وتطلعات شعبه العظيم.
ما هو موقف القاهرة المباشر من التطورات المتسارعة فى القرن الأفريقى، وكيف تُترجم مصر دعمها لسيادة الصومال ووحدة أراضيه ورفض الاتفاقيات الأحادية التى تمس أمن البحر الأحمر؟
- بالتأكيد أن لدى مصر توجهًا سياسيًا عامًا لدعم سيادة الدول واستقرارها ووحدتها ومؤسساتها الوطنية، وهو خط عام للسياسة الخارجية المصرية، وينطبق بشكل خاص على الدول الأفريقية الشقيقة.
وبالنسبة للقرن الأفريقى، فمما لا شك فيه أن هذه المنطقة تمثل امتدادًا للأمن القومى المصرى، حيث ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن البحر الأحمر، وقناة السويس، وحركة التجارة العالمية. ومن هذا المنطلق، نتابع عن كثب التطورات المتسارعة فى هذه المنطقة، ونعمل على منع تحولها إلى مصدر للتوتر الإقليمى، ونحرص على دعم سيادة دول القرن الشقيقة ووحدتها وسلامة أراضيها، ومؤسسات الدولة الوطنية من خلال إجراءات عملية متعددة، وانطلاقًا من ذلك نرفض أى إجراءات أحادية من شأنها فرض واقع جديد فى المنطقة أو المساس بأمن البحر الأحمر، ونؤكد دومًا أن أمن البحر الأحمر وحوكمته يقعان حصريًا فى اختصاص الدول المشاطئة له فقط.
وقد شهدت الفترة الماضية زيارات مصرية رفيعة غير مسبوقة للمنطقة، وفى مقدمتها الزيارتان التاريخيتان للسيد رئيس الجمهورية لإريتريا فى أكتوبر ٢٠٢٤، ولجيبوتى فى أبريل ٢٠٢٥، وقد قمت من جانبى بزيارة مقديشيو، وجيبوتى، والعديد من الزيارات لأسمرة. ويضاف إلى ما تقدم الزيارات الرئاسية لفخامة السيد رئيس الجمهورية للمنطقة الأوسع المحيطة بالقرن الأفريقى، لكل من كينيا، وأوغندا، وتنزانيا.
بالنسبة للصومال، تؤكد مصر دومًا على دعم وحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية الشقيقة وسلامة أراضيها، وترفض أى تحركات تخل بذلك على غرار الاعتراف الإسرائيلى الأخير باستقلال ما يسمى أرض الصومال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجانب الصومالى لبناء الكوادر الصومالية فى مختلف المجالات، خاصة الأمنية والعسكرية، فضلًا عن المشاركة المصرية فى بعثة الاتحاد الأفريقى للدعم والاستقرار فى الصومال (AUSSOM)، بما يعكس التزام مصر بدعم مؤسسات الدولة الصومالية، ومكافحة الإرهاب والتطرف، والإسهام فى ترسيخ الأمن والاستقرار فى القرن الأفريقى باعتباره ركيزة أساسية لأمن البحر الأحمر والمنطقة بأسرها.
أشير كذلك إلى أن مصر أطلقت فى أكتوبر ٢٠٢٥، على هامش أعمال منتدى أسوان، مبادرة «ستريم» التى تربط بين السلم والتنمية الشاملة لدول البحر الأحمر، ومن ضمنها دول القرن الأفريقى، إدراكًا للارتباط الوثيق بين التنمية والأمن. كما استضافت مصر مجموعة اجتماعات ثنائية بين دول القرن الأفريقى والسيد «مسعد بولس»، كبير مستشارى الرئيس الأمريكى للشؤون العربية والأفريقية، فى ١٩ يوليو ٢٠٢٦، فى إطار جهود تدعيم الأمن والاستقرار فى المنطقة.
وقد شاركت مصر مؤخرًا فى القمة الاستثنائية الثانية للدول المساهمة بقوات فى بعثة الاتحاد الأفريقى الجديدة للصومال التى عُقدت يوم ٣١ يوليو ٢٠٢٦ فى كمبالا، حيث تم التأكيد على ضرورة تعزيز الجهود لتدعيم أمن وسلامة واستقرار الصومال الشقيق، والإبقاء على بعثة الاتحاد الأفريقى «أوصوم» وتوفير التمويل الكافى والمستدام لها.
ما الخطوات العملية التى تتخذها القاهرة بالتنسيق مع الأطراف الليبية والقوى الإقليمية والدولية لمعالجة الأوضاع فى ليبيا وإنهاء التواجد الأجنبي؟
- أشير بداية إلى خصوصية العلاقات المصرية- الليبية على ضوء العلاقات الشعبية والتاريخية وتشابك المصالح والمصير، وهو ما تدركه القاهرة، ومن ثم تعمل دائمًا على الحفاظ على أمن ليبيا ووحدتها وسلامة وسيادة أراضيها، كما تعمل على مواصلة تعزيز التعاون الثنائى فى مختلف المجالات مع الجانب الليبى. وأنوه كذلك إلى وتيرة الزيارات المتبادلة، وآخرها تشرف رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية السيد «عبدالحميد الدبيبة» بمقابلة السيد رئيس الجمهورية يوم ٢٧ يوليو ٢٠٢٦.
تتحرك مصر فى الملف الليبى وفق رؤية واضحة تستهدف معالجة جذور الأزمة، وليس الاكتفاء بإدارة تداعياتها. ومن هذا المنطلق، تواصل القاهرة اتصالاتها المكثفة مع مختلف الأطراف الليبية، بهدف تشجيعها على المضى قدمًا باتجاه إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن، بما يُمكّن الشعب الليبى من تحقيق تطلعاته وإنهاء حالة الانقسام، فضلًا عن العمل على توحيد المؤسسات الليبية، وضمان تمثيل كافة المناطق الليبية دون استثناء، سواء الشرق أو الغرب أو الجنوب. وتستضيف القاهرة لقاءات ومشاورات بين المؤسسات والقوى الليبية المختلفة لتقريب وجهات النظر وبناء التوافق المطلوب.
كما تقوم مصر بالتنسيق مع كافة الأطراف المعنية، بما فى ذلك البعثة الأممية والشركاء الإقليميون والدوليون، للعمل على توحيد الجهود والمبادرات المطروحة على أن يكون الحل ليبيًا- ليبيًا، ومتوافقًا عليه، ويلبى تطلعات الشعب الليبى الشقيق.
وعلى المستوى الإقليمى، قمنا بإعادة تفعيل آلية دول الجوار الثلاثية مع كل من الجزائر وتونس، باعتبار الدول الثلاث الأكثر اتصالًا بالأوضاع فى ليبيا، وذلك دعمًا لتسوية سياسية شاملة تحافظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها.
وبالنسبة للتواجد الأجنبى، فإن الموقف المصرى ثابت وواضح، ويتمثل فى ضرورة خروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب من كامل الأراضى الليبية وفق إطار زمنى محدد، تنفيذًا لقرارات الشرعية الدولية. هذا الانسحاب يمثل شرطًا أساسيًا لاستعادة ليبيا سيادتها الوطنية، ومنع استمرار التدخلات الخارجية التى أسهمت فى إطالة أمد الأزمة وتقويض فرص التسوية. وبالتالى، التحرك المصرى يقوم على مسارات مترابطة: دفع التوافق الليبى حول الانتخابات، وتوحيد المؤسسات، وتنسيق الجهود مع دول الجوار والقوى الدولية، بالتوازى مع تثبيت الأمن وإنهاء الوجود العسكرى الأجنبى. والهدف النهائى هو الوصول إلى دولة ليبية موحدة قادرة على صون سيادتها وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية للشعب الليبى الشقيق.
كيف تنظر مصر إلى المستجدات الأخيرة فى سوريا، وما محددات الموقف المصرى لضمان استقرار الدولة السورية وحدودها؟
- الموقف المصرى ينطلق من ثوابت راسخة، فى مقدمتها دعم الشعب السورى الشقيق، والدولة السورية والحفاظ على وحدتها وسيادتها وسلامة أراضيها، وصون مؤسساتها الوطنية. المرحلة الحالية فى سوريا تتطلب مواصلة بناء الدولة السورية بمشاركة جميع مكونات الشعب السورى، ونؤكد فى هذا السياق على رفضنا التام لأى تدخلات خارجية تمس السيادة السورية، وعلى رأسها الاعتداءات الإسرائيلية الرامية لتقويض أمنها واستقرارها، ونشدد على ضرورة التزام إسرائيل باتفاقية فض الاشتباك لعام ١٩٧٤. كما نؤكد على أهمية الاستمرار فى مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله وصوره، وأن تكون سوريا مصدرًا للاستقرار فى المنطقة.
أُشير كذلك إلى وتيرة الاتصالات وتبادل الزيارات على مستويات مختلفة مع الجانب السورى، حيث استقبلت السيد «أسعد الشيباني»، وزير خارجية سوريا، فى مايو الماضى، فضلًا عن المسار البنّاء الذى تتخذه العلاقات الثنائية، والذى تمثل فى عدد من التطورات الهامة، ومنها التوقيع على مذكرات التفاهم فى مجال الغاز الطبيعى والمواد البترولية، وزيارة اتحاد الغرف التجارية المصرية إلى دمشق فى يناير ٢٠٢٦، وعقد الاجتماع الحكومى المشترك لكبار المسؤولين لبحث سبل دفع التبادل التجارى وتعزيز الاستثمارات بين البلدين فى ١٥ أبريل ٢٠٢٦، والذى تم التوافق خلاله على العمل على مضاعفة حجم التبادل التجارى والاستثمارات بين الجانبين وتعزيز التعاون فى مختلف المجالات (التجارى- اللوجستى- الاستثمار- البترول والغاز- الكهرباء والطاقة المتجددة- الزراعة- الرى والموارد المائية والصحة). وتستمر جهود البعثتين الدبلوماسيتين فى القاهرة ودمشق لمواصلة تعزيز العلاقات الثنائية.
كيف يسهم تعزيز العلاقات المصرية- الأمريكية فى تحقيق الاستقرار فى الشرق الأوسط؟
- العلاقات المصرية- الأمريكية هى بالفعل علاقات شراكة استراتيجية ممتدة، تقوم على شبكة واسعة من المصالح المشتركة والتعاون المؤسسى فى المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، فضلًا عن العلاقات المتميزة والإيجابية للغاية التى تجمع السيد رئيس الجمهورية مع الرئيس الأمريكى «ترامب». ومن ثم، فإن القاهرة تتعامل مع واشنطن باعتبارها شريكًا رئيسيًا، وتحرص على مواصلة تطوير وتعزيز هذه الشراكة والبناء على ما تحقق فيها واستشراف مجالات جديدة ومبتكرة للتعاون، بما يخدم مصالح البلدين ويدعم الأمن والاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط.
وأشير كذلك إلى أن الدور المصرى المحورى فى المنطقة هو محل تقدير وإشادة من كافة الدوائر الأمريكية، ويخدم المصالح المتبادلة للبلدين، حيث إن تسوية الأزمات على أسس سليمة ومستدامة يصب فى النهاية فى صالح جميع الأطراف. وأؤكد هنا على تقدير مصر الشديد للرئيس «ترامب» وخطته للسلام ودوره المحورى.
ويقوم المنهج المصرى بشكل عام على البحث عن مساحات التوافق الممكنة، ويتحقق ذلك من خلال الحوار المستمر على كافة المستويات، سواء مع مسؤولى الإدارة الأمريكية أو مع قيادات وأعضاء الكونجرس، وكذا مع مراكز الفكر والبحث ومختلف دوائر صنع القرار، لشرح محددات المواقف المصرية، وعرض رؤيتنا للعلاقات الثنائية وما تحققه من مصالح متبادلة، فضلًا عن التنسيق المستمر إزاء القضايا الإقليمية، لاسيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والأوضاع فى السودان وليبيا ولبنان والبحر الأحمر والقرن الأفريقى.
شهدت الشراكة المصرية- الأوروبية ترفيعًا لمستوى العلاقات الاستراتيجية الشاملة، ما هى الأبعاد الأمنية والاقتصادية وملفات الهجرة المستهدفة من هذا الترفيع؟
- يمثل ترفيع العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبى إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والشاملة، والذى تم الإعلان عنه فى مارس ٢٠٢٤، نقطة تحول مهمة فى مسار تعميق العلاقات بين الجانبين، ويعكس إدراكًا أوروبيًا للدور المحورى الذى تضطلع به مصر فى تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، فضلًا عن كونها شريكًا رئيسيًا للاتحاد الأوروبى فى منطقة جنوب المتوسط.
ولقد شهدت الفترة الماضية زخمًا واضحًا فى مسيرة هذه العلاقات إذ تم عقد القمة المصرية- الأوروبية الأولى فى أكتوبر ٢٠٢٥، وهى القمة الأولى بين الاتحاد ودولة من جنوب المتوسط، كما تم كذلك عقد الاجتماع الحادى عشر لمجلس المشاركة بين مصر والاتحاد الأوروبى خلال شهر يونيو ٢٠٢٦، وشهدت الشهور الأخيرة كذلك زيادة ملموسة فى وتيرة تبادل الزيارات بين الجانبين، ويجرى العمل حاليًا من أجل الإعداد للقمة المصرية- الأوروبية فى مصر خلال عام ٢٠٢٧.
وعلى الصعيد الاقتصادى، تستمر العلاقات بين الجانبين فى نسق تصاعدى، إذ يبقى الاتحاد الأوروبى على رأس قائمة الشركاء التجاريين لمصر، ويستمر كذلك التنسيق بين الجانبين لزيادة الاستثمارات الأوروبية فى مصر، حيث عُقد على هامش القمة المصرية- الأوروبية منتدى أعمال بمشاركة واسعة من الشركات المصرية والأوروبية، كما يستمر التواصل مع الدول الأوروبية فى الإطار الثنائى لتعزيز تواجد الاستثمارات الأوروبية فى السوق المصرية، وذلك اغتنامًا للفرص المتاحة فى كافة القطاعات الاقتصادية المصرية والتى تزيد من تنافسية أى منتجات يتم تصنيعها فى مصر.
ويأتى مجال الهجرة كذلك كأحد مجالات التعاون بين الجانبين، وقد شهدت الفترة الماضية تصاعدًا فى وتيرة التنسيق فى هذا الملف بهدف معالجة ظاهرة الهجرة غير الشرعية من جذورها، والعمل بالتوازى على فتح أسواق منتظمة للعمالة المصرية فى الدول الأوروبية، فضلًا عن حث الدول الأعضاء فى الاتحاد ومؤسساته على زيادة الدعم المقدم لمصر لمواجهة الأعداد الضخمة من اللاجئين الذين تستضيفهم مصر فى السنوات الأخيرة جراء الأزمات الإقليمية المتلاحقة، وفى إطار تقاسم الأعباء بين الجانبين.
شهدت الفترة الماضية كذلك فتح مجالات جديدة للتعاون، فى مقدمتها المجال الأمنى، حيث عُقدت نهاية شهر مارس الماضى الجولة الأولى للحوار الأمنى والدفاعى بين مصر والاتحاد الأوروبى، وهو ما مثل خطوة بالغة الأهمية فى سبيل تعزيز التنسيق بين الجانبين فى مواجهة التحديات المشتركة على الصعيد الأمنى. كما نستمر كذلك فى تعاوننا مع الاتحاد الأوروبى فى مجال مكافحة الإرهاب، خاصة فى ظل الرئاسة المشتركة بين الجانبين للمنتدى العالمى لمكافحة الإرهاب منذ عام ٢٠٢٣، كما عُقدت الجولة الثانية من المشاورات بين مصر والاتحاد حول موضوعات مكافحة الإرهاب خلال شهر يناير الماضى.
ولا يفوتنى فى هذا الصدد الإشارة إلى أهمية الجانب العلمى والأكاديمى فى علاقات التعاون المصرية- الأوروبية، إذ تم التوقيع على اتفاق انضمام مصر إلى برنامج «هورايزون أوروبا» على هامش القمة المصرية- الأوروبية فى أكتوبر ٢٠٢٥، وهو البرنامج الذى نستهدف من خلاله العمل على تطوير الصناعة، وتعزيز مشاركة الباحثين المصريين فى تطوير التكنولوجيا فى كافة المجالات. كما نتعاون مع الاتحاد الأوروبى كذلك فى إطار برنامج «إيرسموس بلس»، الذى يمثل أهم برامج التعاون فى مجال التعليم العالى مع الاتحاد الأوروبى من خلال تأسيس شراكات تعليمية بين الجامعات الأوروبية ونظيرتها المصرية.
كيف تعتزم مصر استغلال عضويتها فى تكتل «بريكس» لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية، ومواجهة التحديات التمويلية والتجارية العالمية؟
- ننظر إلى عضويتنا فى تجمع «بريكس» باعتبارها فرصة مهمة لتعزيز التعاون مع الاقتصادات الناشئة، وتعميق التشاور والتنسيق إزاء القضايا السياسية والاقتصادية الدولية ذات الاهتمام المشترك، وتنويع الشراكات التجارية والاستثمارية، وتوسيع نفاذ الصادرات المصرية إلى أسواق جديدة، بما يدعم جهود الدولة لتحقيق التنمية المستدامة ويعزز قدرة الاقتصاد المصرى على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية. من ناحية أخرى، فإن عضويتنا فى تجمع «بريكس» هى دليل على حرص مصر على تبنى علاقات متوازنة واستراتيجية مع مختلف الشركاء الدوليين، استنادًا إلى المبادئ الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية، وأبرزها الاتزان الاستراتيجى والاحترام المتبادل والمساواة فى السيادة والتسوية السلمية للمنازعات.
وانطلاقًا من ذلك، نسعى إلى الاستفادة من آليات التعاون داخل التجمع، بما فى ذلك تعزيز التعاون المالى والتمويلى، والاستفادة من فرص التمويل التى يتيحها بنك التنمية الجديد لدعم المشروعات التنموية، إلى جانب توظيف أطر التعاون التى يوفرها التجمع لطرح ودراسة مبادرات ومشروعات ذات أولوية، خاصة فى مجالات الأمن الغذائى واللوجستيات، بما يدعم أولويات مصر التنموية، ويعزز التكامل الاقتصادى بين دول التجمع










