اشرف محمدين يكتب : « حين ياتي الوجع .. من حيث كان الامان »
في هذه الحياة، نُرهق أنفسنا كثيرًا بمحاولات الحذر من الغرباء، نُقيم الحواجز، ونُجيد ارتداء الأقنعة، ونُتقن لعبة المسافات الآمنة، وكأن الخطر كله يأتي من خارج حدودنا، بينما الحقيقة التي لا نُدركها إلا متأخرين، أن أشد ما يمكن أن يُصيب القلب لا يأتي أبدًا من بعيد، بل يتسلل إليه بهدوء من أقرب نقطة ظنناها يومًا حصنًا لا يُخترق.
فنحن لا نُسلّم قلوبنا دفعةً واحدة، بل نفعل ذلك تدريجيًا، مع كل موقف احتواء، وكل كلمة طمأنينة، وكل لحظة صدق نعتقد أنها لا تُشبه سواها، حتى نجد أنفسنا — دون أن نشعر — قد وضعنا أثمن ما نملك بين يدي شخصٍ واحد، منحناه حق الاطمئنان على نبضاتنا، وكأننا نوقّع عقدًا غير مكتوب بأن هذا القلب في أمانٍ ما دام في جواره.
لكن الوجع، يا صديقي، لا يطرق الأبواب المغلقة، ولا يُجيد الدخول من النوافذ المحصنة، بل ينتظر فقط تلك اللحظة التي نُخفض فيها حذرنا، ونسمح فيها لأحدهم أن يرى ضعفنا دون خوف، فيدخل إلينا لا كغريبٍ نخشاه، بل كقريبٍ نأمنه، وهنا تحديدًا… يصبح الألم ممكنًا، بل محتملًا، بل أحيانًا حتميًا.
فنحن لا نتألم لأن أحدهم أساء إلينا فحسب، بل لأن هذا الأحد كان يعرف جيدًا كيف لا يُسيء، وكان يملك من القرب ما يكفي ليختار بعناية أن يكون ملاذًا لا سببًا في الانكسار، ومع ذلك، يحدث ما لا نتوقعه، فنجد أنفسنا نُعيد ترتيب داخلنا بعد صدمةٍ لم تكن في الحسبان، ونُحاول فهم كيف يمكن لقلبٍ كان يومًا مصدر طمأنينتنا أن يتحول — دون إنذار — إلى مصدر ارتباكنا ووجعنا.










