اشرف محمدين يكتب :« خسارة البعض - مكسب »
أحيانًا نظن أننا نخسر أشخاصًا، بينما الحقيقة أننا نستعيد أنفسنا بعد رحيلهم. نعيش علحظة الفقد وكأن شيئًا عزيزًا اقتُلع من حياتنا، نحزن، ونراجع التفاصيل، ونسأل أنفسنا: لماذا انتهت العلاقة؟ وأين أخطأنا؟ ولماذا لم نستطع أن نحافظ على من أحببنا؟ ثم تمر الأيام، ويهدأ القلب، وتتضح الصورة، فنكتشف أن بعض الذين بكينا على رحيلهم كانوا يأخذون من أرواحنا أكثر مما يمنحونها، وأن بعض العلاقات التي تمسكنا بها طويلًا لم تكن تستحق كل هذا التمسك.
ليست كل خسارة خسارة، كما أن كل بقاء ليس مكسبًا. هناك أشخاص يضيفون إلى حياتنا معنى، وهناك من يجعلون وجودنا معهم معركة دائمة لإثبات أننا نستحق الحب والاهتمام والاحترام. وهناك فرق كبير بين أن تحب إنسانًا، وبين أن تفقد نفسك وأنت تحاول الاحتفاظ به.
أحيانًا يكون الرحيل مؤلمًا، لكنه ضروري. يكون كأن الحياة تنتزع من أيدينا شيئًا اعتقدنا أننا لا نستطيع العيش بدونه، ثم تمنحنا بعده شيئًا أهم: راحة البال. نكتشف أننا كنا نعيش في علاقة تستنزفنا، ونبرر لمن يؤذينا، ونمنح الفرص لمن لا يعرف قيمة الفرصة، ونصمت عن أشياء كان يجب أن نتحدث عنها، فقط لأننا كنا نخاف من الخسارة.
والأصعب من فقدان بعض الناس، أن نفقد أنفسنا ونحن نحاول ألا نفقدهم.
ليس النضج أن تتمسك بكل من دخل حياتك، ولا أن تعتبر الرحيل دائمًا هزيمة. النضج أن تعرف متى تحافظ، ومتى تسامح، ومتى تمنح فرصة، ومتى تقول بهدوء: يكفي. فهناك لحظة يصبح فيها التمسك بالآخرين ظلمًا لأنفسنا، ويصبح الابتعاد نوعًا من الرحمة.
وليس معنى أن شخصًا خرج من حياتك أنه كان سيئًا بالضرورة، ولا أنك كنت على حق دائمًا. ربما كانت له ظروفه، ولك أخطاؤك، وربما لم يكن أحدكما شريرًا، وإنما لم يعد الطريق صالحًا لأن تسيرا فيه معًا. بعض العلاقات تنتهي لأن دورها انتهى، وبعض الأشخاص يمرون في حياتنا ليتركوا درسًا، لا ليبقوا فيها إلى الأبد.
لذلك لا تجعل كل رحيل سببًا لجلد الذات، ولا تظل واقفًا أمام باب أغلقه صاحبه، تبحث عن تفسير لكل شيء. أحيانًا يكون التفسير الحقيقي بسيطًا جدًا: لقد انتهى ما كان بينكما، وحان الوقت أن تبدأ ما بينك وبين نفسك.
وحين تنظر إلى الوراء بعد سنوات، قد تكتشف أن بعض أكثر الأيام التي بكيت فيها كانت في الحقيقة الأيام التي بدأت فيها حياتك تتغير إلى الأفضل. ستدرك أن غياب شخص كنت تظن أنك لن تستطيع الحياة بدونه لم ينهِ حياتك، وأن المساحة التي تركها في قلبك امتلأت مع الوقت بالهدوء، والكرامة، والرضا، وربما بأشخاص أكثر صدقًا وأمانًا.
فلا تحزن على كل من غادر، ولا تندم على كل باب أُغلق. بعض الأبواب لا تُغلق في وجوهنا، وإنما تُغلق حمايةً لنا من طريق لم يكن لنا فيه خير.
وخسارة البعض.. ليست دائمًا خسارة، فقد يكون بعض الرحيل هو المكسب الذي لم نعرف قيمته إلا بعد أن هدأ وجع الفقد.
و في النهاية، ليست كل خسارة فقدًا، ولا كل بقاء مكسبًا. هناك أشياء لا نفهم حكمتها لحظة حدوثها، لأن القلب يرى الرحيل وجعًا، بينما يكشف الزمن معناه. وربما لا يكون بعض الغياب أخذًا من حياتنا بقدر ما يكون إعادةً لنا إلى أنفسنا؛ بعد أن أرهقنا التمسك بما لم يعد يشبهنا، والخوف من فقد ما كان يستنزفنا. لهذا، لا يُقاس أثر الإنسان في حياتنا بطول بقائه، بل بما تركه فينا بعد رحيله. فبعضهم كان فصلًا وانتهى، وبعضهم كان درسًا، وبعضهم كان رحيله بدايةً لحياة أكثر اتزانًا. وحين ننضج، نفهم أن الخسارة الحقيقية ليست فيمن غادر، بل في أن نفقد أنفسنا ونحن نحاول أن نُبقيه.



اشرف محمدين يكتب : « منتخب مصر.. حين تصبح الكلمة أخطر من القرار »
اشرف محمدين يكتب : « الانتصار في الخلاف - قد يكون هزيمة للزواج »
اشرف محمدين يكتب : « صلاح - ما زال يكتب التاريخ »
اشرف محمدين يكتب: « نتسامح نعم - لكن لا نثق مرتين»
اشرف محمدين يكتب : « الاهلي الي اين »
اشرف محمدين يكتب : « العتاب كالحب لا تعطه الا لمن يستحق »
اشرف محمدين يكتب :الأرجنتين بعد ميسي - هل انتهى زمن النجم الأوحد ؟
اشرف محمدين يكتب : « القلوب الطيبة لها نهاية »
اشرف محمدين يكتب : « كلوب في ألمانيا.. الرجل الذي جاء ليعيد للمانشافت شخصيته »
اشرف محمدين يكتب : « من كان حضوره مثل غيابه.. رحيله لا يهم »
اشرف محمدين يكتب :« محمد صلاح وطرابزون.. لا تحكموا على الحكاية من أول فصل »
اشرف محمدين يكتب : «عاشر - من يزيد حياتك حياة »



