السبت 26 سبتمبر 2026 02:07 مـ 13 ربيع آخر 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب : « الانتصار في الخلاف - قد يكون هزيمة للزواج »

أخبار مصر 2050

في الحياة الزوجية، لا ينبغي أن يتحول كل خلاف إلى معركة، ولا أن يصبح الحوار ساحةً يبحث فيها كل طرف عن الأدلة التي تثبت أنه على حق وأن الآخر هو المخطئ، لأن الزواج ليس محكمةً لها قاضٍ ومتَّهَم، ولا مباراةً لابد أن يخرج منها طرف منتصرًا وآخر مهزومًا، وإنما هو علاقة تجمع شخصين يفترض أن يكون هدفهما في النهاية أن ينتصرا معًا على المشكلة، لا أن ينتصر أحدهما على الآخر.

وربما كان أخطر ما يحدث بين الزوجين أن يبدأ الخلاف من موقف بسيط، ثم يتسع شيئًا فشيئًا لأن كل طرف يصر على استكمال القضية إلى نهايتها، فيقول: أنت فعلت كذا، وأنا قلت لك كذا، وأنت في المرة الماضية فعلت كذا أيضًا، ثم تُفتح ملفات قديمة كان يفترض أنها أُغلقت، ويصبح الهدف من الكلام إثبات الخطأ لا إصلاحه، وإثبات البراءة لا استعادة الهدوء، حتى ينتهي الحوار وقد انتصر أحدهما في الحجة، لكنه يشعر في داخله أن شيئًا ما قد انكسر بينهما.

والعتاب في حد ذاته ليس خطأ، بل ربما كان أحد أجمل أبواب الإصلاح عندما يأتي من قلبٍ يريد أن يحافظ على العلاقة، فالإنسان من حقه أن يقول لشريكه: هذا الأمر آذاني، وهذه الكلمة وجعتني، وهذا التصرف جعلني أشعر بأنني لست مقدَّرًا كما ينبغي، لكن هناك فارق كبير بين أن تعاتب من تحب لأنك تريد أن تقترب منه أكثر، وبين أن تعاتبه لكي تجرحه أو تثبت أنه سيئ أو مخطئ أو أقل منك قدرةً على الدفاع عن نفسه.

فبعض الكلمات لا تُقال من أجل أن تُفهم، وإنما تُقال من أجل أن تُصيب، وبعض النقاشات لا تستمر لأن هناك مشكلة تحتاج إلى حل، وإنما تستمر لأن كل طرف يريد أن تكون له الكلمة الأخيرة، وهنا يتحول الخلاف من محاولة للفهم إلى رغبة في الانتصار، ومن حوار بين شريكين إلى حرب كلامية قد تنتهي بانتصار لحظي، لكنها تترك خلفها خسائر لا تظهر في اللحظة نفسها.

وفي الزواج، ليست كل معركة تستحق أن نخوضها حتى النهاية، وليس كل خطأ يحتاج إلى إثبات، وليس كل موقف يحتاج إلى أن نُذكّر به صاحبه بعد أشهر أو سنوات، لأن الإنسان الذي يعيش معك ليس خصمًا تحتاج إلى هزيمته، وإنما هو الشخص الذي ستظل بحاجة إلى قلبه بعد أن ينتهي النقاش، وستحتاج إلى يده حين تضيق بك الحياة، وإلى حضوره حين تشعر بالوحدة، وإلى محبته في الأيام التي لا تكون فيها الحياة سهلة.

قد تكسب الخلاف لأن حجتك أقوى، وقد يضطر الطرف الآخر إلى الاعتراف بأنه أخطأ، لكن ماذا بعد؟ هل عاد الهدوء إلى القلب؟ هل عاد الأمان إلى العلاقة؟ هل اقتربتما من بعضكما أم أصبح كل واحد منكما أكثر حذرًا في الكلام؟ فهناك انتصارات لا تشبه الانتصار، لأنها تمنحك لحظة شعور بأنك كنت على حق، ثم تأخذ منك شيئًا أكبر بكثير: دفء العلاقة.

ولهذا فإن الحكمة في الخلاف الزوجي ليست في أن تعرف كيف تنتصر في الكلام، وإنما في أن تعرف متى تتوقف عن الكلام، ومتى تؤجل النقاش، ومتى تقول كلمةً طيبةً بدل كلمةٍ قاسية، ومتى تعترف بجزء من خطئك حتى لو كنت ترى أن الخطأ الأكبر عند الطرف الآخر، لأن الهدف ليس أن تثبت أنك أفضل، وإنما أن يبقى بينكما ما يستحق أن تحافظا عليه.

فالحب لا يموت دائمًا بسبب مشكلة كبيرة، وإنما قد يموت ببطء من كثرة الجروح الصغيرة التي لا تجد فرصةً للالتئام؛ كلمة قاسية هنا، وإهانة هناك، وتذكير دائم بالأخطاء، ومقارنة، وعناد، وصمت عقابي، وإصرار على أن يكون أحد الطرفين هو المنتصر في كل نقاش، حتى يصبح الطرف الآخر متعبًا من العلاقة أكثر من تعبه من المشكلة نفسها.

والأجمل في الزواج أن يتعلم الطرفان أن يقولا: أنا لا أعاتبك لأثبت أنك مخطئ، وإنما أعاتبك لأنني لا أريد أن يظل هذا الأمر بيننا. وأن يكون الاعتذار محاولةً لاستعادة المحبة، لا إعلانًا للهزيمة، وأن يكون التسامح قرارًا بإغلاق بابٍ حتى لا تظل الحياة الزوجية سجينةً لما حدث بالأمس.

فالزوجان الناضجان لا يبحثان دائمًا عمن كان على حق، وإنما يبحثان عما هو أصلح لهما، لأن بعض المواقف قد يكون فيها أحدهما محقًا فعلًا، لكن الإصرار على انتزاع اعتراف كامل بهذا الحق قد يكلّف العلاقة أكثر مما يستحق الموقف.

ليس المهم من انتصر في النقاش، ولا من قال الكلمة الأخيرة، ولا من استطاع أن يثبت أن الآخر أخطأ؛ المهم أن ينتهي الخلاف ويبقى الحب. لأن الزواج الذي يتحول فيه كل خلاف إلى حرب كلامية قد يخسر مع الوقت أجمل ما فيه، بينما الزواج الذي يعرف فيه الطرفان كيف يختلفان دون أن يجرح أحدهما الآخر، وكيف يتعاتبان بنية الإصلاح لا التجريح، وكيف يتنازلان أحيانًا حفاظًا على المودة، يستطيع أن يتجاوز الخلافات دون أن يخسر القلوب التي جمعها الحب من البداية و في النهاية - في العلاقات التي نحبها، قد يكون أخطر انتصار هو ذلك الذي يجعلنا نخسر في المقابل شيئًا لا يمكن استعادته؛ فالحجة تنتهي، والغضب يهدأ، ويثبت كل طرف وجهة نظره، لكن بعض الكلمات تظل عالقة في القلب، وبعض الجروح لا تشفى بمجرد أن نعود إلى الهدوء. لذلك ليس النضج أن تنتصر في كل خلاف، وإنما أن تدرك أن هناك أوقاتًا يكون فيها التنازل عن الحجة حفاظًا على المودة، وأن الصمت عن كلمةٍ جارحة قد يكون أبلغ من ألف كلمة، لأن الإنسان قد يربح معركةً بالكلام، لكنه لا يملك دائمًا أن يستعيد قلبًا أتعبه الانتصار

المقالات اشرف محمدين
⇧

مواقيت الصلاة

السبت 02:07 مـ
13 ربيع آخر 1448 هـ 26 سبتمبر 2026 م
مصر
الفجر 04:19
الشروق 05:45
الظهر 11:46
العصر 15:12
المغرب 17:48
العشاء 19:05