الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 02:58 مـ 9 ربيع آخر 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب : « صلاح - ما زال يكتب التاريخ »

أخبار مصر 2050

في كرة القدم، هناك لاعبون تنتهي حكايتهم عندما يبدأ العمر في كتابة أرقامه على أجسادهم، وهناك لاعبون يجعلون العمر مجرد رقم لا يستطيع أن يفرض نفسه على موهبتهم وإرادتهم وإيمانهم بما يستطيعون أن يفعلوه، ومحمد صلاح ينتمي بوضوح إلى الفئة التي لا تسمح للسنوات بأن تحدد موعد النهاية.

في الرابعة والثلاثين من عمره، وفي تجربة جديدة مع طرابزون سبور، كان صلاح أمام ليلة لم تكن مجرد مباراة في الدوري التركي، وإنما كانت إجابة كاملة على كل من بدأ يتساءل عن قدرته على الاستمرار بنفس التأثير، فجاء الرد من المكان الذي لا يعرف المجاملة ولا يقبل التبرير… من الملعب.

ثلاثة أهداف وصناعة هدف آخر، ليقود طرابزون سبور إلى الفوز على جالطة سراي بأربعة أهداف نظيفة، في واحدة من أبرز لياليه منذ انتقاله إلى تركيا، ويرفع رصيده إلى سبعة أهداف في ست مباريات بالدوري، متصدرًا قائمة الهدافين

لكن قيمة ما فعله صلاح لا تكمن فقط في عدد الأهداف، وإنما في التوقيت والمعنى؛ فكل لاعب يستطيع أن يتألق في بداية مسيرته، وكل موهوب يستطيع أن يصنع لحظة استثنائية، لكن أن تظل قادرًا بعد سنوات طويلة من المنافسة على أن تدخل مباراة كبيرة، وتخرج منها وأنت صاحب البصمة الأكبر، فهذه ليست موهبة فقط، وإنما شخصية صنعت لنفسها مكانًا خاصًا في تاريخ اللعبة.

صلاح لم يكن في هذه المباراة مجرد هداف ينتظر الكرة داخل منطقة الجزاء، بل كان حاضرًا في صناعة اللعب، سجل وصنع وركض وضغط وتحرك، وكان طرفًا مباشرًا في الأهداف الأربعة جميعها، ليؤكد أن القيمة الحقيقية للاعب الكبير لا تُقاس بعدد السنوات التي قضاها في الملاعب، وإنما بعدد المرات التي استطاع فيها أن يجعل تلك السنوات أكثر قيمة وتأثيرًا

والأجمل أن صلاح لم يدخل في معركة مع المشككين، ولم يحتج إلى أن يشرح لأحد أنه ما زال قادرًا، ولم يبحث عن كلمات يثبت بها أنه لم ينتهِ، لأن اللاعب الكبير يعرف أن أفضل إجابة على التشكيك ليست الغضب، وإنما الأداء، وأن التاريخ لا يُكتب بالتصريحات، بل باللحظات التي تظل عالقة في ذاكرة الجماهير.

لقد اعتاد صلاح طوال سنواته أن يجعل الملعب هو المكان الذي يتحدث فيه، ولذلك ربما كان أجمل ما في هذه الليلة أن الرد جاء هادئًا وقاسيًا في الوقت نفسه؛ ثلاثة أهداف وصناعة هدف، وفوز كبير، واسم جديد يُضاف إلى سجل الإنجازات، وكأن صلاح يقول للجميع إن العمر قد يغيّر بعض التفاصيل، لكنه لا يستطيع وحده أن يمحو الموهبة، ولا الإرادة، ولا عقلية اللاعب الذي يعرف قيمة ما وصل إليه ويرفض أن يتنازل عنه بسهولة.

في كرة القدم، لا أحد يستطيع أن يوقف الزمن، لكن بعض العظماء يستطيعون أن يجعلوا الزمن نفسه شاهدًا على استمرارهم.

ومحمد صلاح، في عامه الرابع والثلاثين، لا يزال يكتب تاريخه بقدميه، ويضيف صفحة جديدة إلى حكاية لم تنتهِ بعد.

وربما تكون هذه هي أجمل رسالة يمكن أن يتركها لاعب لجيل كامل: لا تجعلوا العمر يخبركم بما تستطيعون فعله، دعوا ما تفعلونه هو الذي يخبر الآخرين كم بقي لديكم و قد يكون السؤال الذي فرض نفسه بعد هذه الليلة: هل كان رحيل محمد صلاح عن ليفربول هو القرار الصحيح؟ لا أحد يستطيع أن يعيد الزمن، لكن كرة القدم أحيانًا تمنحنا إجاباتها متأخرة، وتترك الملعب يقول ما عجزت الأوراق والاجتماعات عن قوله. صلاح الذي غادر ليفربول بعد تسع سنوات حافلة بالأهداف والبطولات، يجد نفسه اليوم في الرابعة والثلاثين، وفي تجربة جديدة، يقود طرابزون سبور إلى الفوز على جالطة سراي برباعية، ويسجل ثلاثة أهداف ويصنع الرابع، في مباراة جعلت الملايين في مصر يتابعون الدوري التركي لا لأنهم أصبحوا فجأة عشاقًا لكرة القدم التركية، وإنما لأن محمد صلاح موجود هناك.

ومن هنا يصبح من حقنا أن نتساءل: هل كان من العدل أن تنتهي رحلة لاعب بهذه القيمة مع ليفربول، بينما لا يزال قادرًا على صناعة الفارق بهذا الشكل؟ وإذا كانت الرؤية الفنية التي قادت إلى نهاية العلاقة قد رأت أن العمر أصبح عاملًا يجب أن يُحسب، فإن صلاح يثبت الآن أن بعض اللاعبين لا تُقاس قيمتهم بعدد السنوات، وإنما بما يستطيعون أن يمنحوه في كل سنة جديدة.

قد يكون قرار الرحيل مفهومًا من حسابات الإدارة والميزانية والتجديد، وقد تكون له أسبابه التي لا نعرف كل تفاصيلها، لكن من زاوية الملعب وحدها، تبدو الصورة مختلفة؛ لاعب في الرابعة والثلاثين لا يزال قادرًا على تحويل مباراة كبيرة إلى مسرح كامل باسمه، ولا يزال اسمه قادرًا على تغيير خريطة اهتمام جماهير كاملة بدوري لم تكن تتابعه بهذا الشغف من قبل.

وهنا لا يكون الظلم في أن يرحل لاعب كبير، فالزمن لا يتوقف لأحد، وإنما قد يكون الظلم الحقيقي أن تتعامل مع عمر اللاعب وكأنه حكم نهائي على قدرته، قبل أن تمنحه فرصة أخيرة ليقول بنفسه متى تنتهي حكايته.

وصلاح، حتى الآن، لم يقل كلمته الأخيرة.

لأن بعض الأساطير لا ينتهي تاريخها عندما يقرر الآخرون أن الوقت قد حان للنهاية… وإنما تنتهي عندما تعجز أقدامها هي عن كتابة فصل جديد. وصلاح ما زالت قدماه تكتبان

اشرف محمدين المقالات الرياضية

مواقيت الصلاة

الثلاثاء 02:58 مـ
9 ربيع آخر 1448 هـ 22 سبتمبر 2026 م
مصر
الفجر 04:16
الشروق 05:43
الظهر 11:48
العصر 15:16
المغرب 17:53
العشاء 19:10