اشرف محمدين يكتب :الأرجنتين بعد ميسي - هل انتهى زمن النجم الأوحد ؟
ربما لا توجد دولة في كرة القدم ارتبط تاريخ منتخبها بفكرة «النجم الأوحد» مثل الأرجنتين، وكأن قميص التانجو كان ينتظر دائمًا لاعبًا استثنائيًا يمنحه المعنى، ويحمل عنه ثقل الحلم، ويختصر في قدميه طموح شعب كامل، فمنذ ماريو كيمبس الذي قاد الأرجنتين إلى أول كأس عالم على أرضها عام 1978، مرورًا بدييجو مارادونا الذي جعل من الموهبة الفردية مشروعًا وطنيًا في مونديال 1986، وصولًا إلى ليونيل ميسي الذي عاش سنوات طويلة تحت عبء المقارنة مع مارادونا قبل أن يصبح هو نفسه عنوانًا لجيل كامل، ظلت الأرجنتين تبحث عن ذلك اللاعب الذي تستطيع أن تقول عنه: «هذا هو منتخبنا».
لكن المشكلة في النجم الكبير أنه لا يمنحك فقط الحلول، وإنما يخلق مع الوقت حالة من الاعتماد عليه، حتى يصبح غيابه ليس مجرد غياب لاعب، وإنما غياب جزء من هوية الفريق، ولذلك فإن السؤال الذي يواجه الأرجنتين بعد إعلان ميسي اعتزاله الدولي ليس: من سيعوض ميسي؟ لأن كرة القدم لا تعرف لاعبًا يستطيع أن يكون نسخة من ميسي، وإنما السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الأرجنتين أن تتخلص من فكرة الحاجة إلى من يعوض ميسي أصلًا؟
وهنا تحديدًا تبدو المفارقة؛ فالأرجنتين التي عاشت عصر كيمبس ثم عصر مارادونا ثم عصر ميسي، تمتلك الآن فرصة تاريخية لكي تنتقل من منتخب يبحث عن «الرجل الذي يصنع الفارق» إلى منتخب تكون فيه المنظومة نفسها هي التي تصنع الفارق، بحيث لا يصبح غياب لاعب مهما كان اسمه قادرًا على إسقاط الفكرة كلها، لأن القوة الحقيقية لا تكون في قدم واحدة، وإنما في مجموعة تعرف كيف تتحرك وتفكر وتدافع وتهاجم وتفوز معًا.
ولعل تجربة الأرجنتين الأخيرة نفسها كانت تمهد لهذا التحول، فمنتخب ليونيل سكالووني لم يكن مجرد منتخب ميسي، رغم أن ميسي كان مركزه الروحي والفني، وإنما استطاع أن يبني حوله مجموعة من اللاعبين الذين عرفوا أدوارهم، وأن يجعل الفريق أكثر توازنًا وصلابة، وأن يحول المنتخب من مجموعة من النجوم إلى مجموعة متماسكة تؤمن بفكرة واحدة، ولذلك فإن خسارة ميسي لا تعني بالضرورة خسارة المشروع، بل ربما تكون اللحظة التي يُختبر فيها المشروع للمرة الأولى من دون صاحبه الأكبر
اقرأ أيضاً
اشرف محمدين يكتب : « القلوب الطيبة لها نهاية »
اشرف محمدين يكتب : « كلوب في ألمانيا.. الرجل الذي جاء ليعيد للمانشافت شخصيته »
اشرف محمدين يكتب : « من كان حضوره مثل غيابه.. رحيله لا يهم »
اشرف محمدين يكتب :« محمد صلاح وطرابزون.. لا تحكموا على الحكاية من أول فصل »
اشرف محمدين يكتب : «عاشر - من يزيد حياتك حياة »
اشرف محمدين يكتب « رسالة إلى حسام حسن: منتخب مصر يحتاج مدربًا.. لا بطلًا للتريند»
اشرف محمدين يكتب « رسالة إلى حسام حسن: منتخب مصر يحتاج مدربًا.. لا بطلًا للتريند»
اشرف محمدين يكتب:-الحب ليس محكمة
اشرف محمدين يكتب:-البنت المصرية - حين تصبح الهزيمة شهادة ميلاد
اشرف محمدين:-رحلة السقوط من قلب امرأة - تبدأ بالصمت
اشرف محمدين يكتب:-محمد صلاح - هل يليق بالملك أن يغادر عرش الكبار.
أشرف محمدين يكتب : «الاستخفاف - بداية النهاية»
وهنا يأتي الدرس الإسباني.
إسبانيا لم تبنِ أمجادها الحديثة حول لاعب واحد، وإنما حول فكرة لعب؛ ولذلك تغيرت الأسماء وبقي الأسلوب، وغاب جيل كامل وجاء جيل آخر، وظلت الفكرة قادرة على البقاء لأنها لم تكن معلقة في موهبة فردية مهما كانت عظمتها، بل في منظومة تعرف كيف تجعل اللاعب جزءًا من الصورة وليس الصورة كلها.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للأرجنتين: هل تستطيع أن تصبح مثل إسبانيا في فلسفة بناء المنتخب، من دون أن تفقد شخصيتها الأرجنتينية القائمة على المهارة والجرأة والقدرة الفردية؟
الإجابة ربما تكون: نعم، ولكن بشرط ألا تحاول الأرجنتين أن تصنع «ميسي جديدًا».
فكرة البحث عن خليفة لميسي قد تكون أخطر من غياب ميسي نفسه، لأنك عندما تبحث عن نجم يحمل كل شيء، فأنت تعيد إنتاج المشكلة ذاتها، أما عندما تبحث عن عشرة لاعبين يستطيع كل منهم أن يحمل جزءًا من المسؤولية، فأنت تبني منتخبًا أكثر قدرة على الاستمرار.
قد يكون جوليان ألفاريز هو النجم القادم، وقد يكون لوتارو مارتينيز هو الهداف الذي يحمل الرقم تسعة، وقد يكون إنزو فرنانديز أو ماك أليستر عقل المنتخب في وسط الملعب، وقد يصبح روميرو قائدًا جديدًا، وقد يظل إيميليانو مارتينيز أحد أهم رموز المرحلة، لكن الفكرة الأهم ألا يتحول أي منهم إلى «ميسي جديد»، لأن أفضل تكريم لميسي ليس أن تبحث الأرجنتين عن شخص يشبهه، وإنما أن تبني منتخبًا يستطيع أن يفوز حتى عندما لا يكون فيه ميسي
لقد كان ميسي في السنوات الأخيرة أكثر من لاعب، كان ذاكرةً حيةً لجيل كامل، وحين كان يلعب كانت الكرة تعرف إلى أين تذهب، وحين كان يتوقف كانت الأنظار تبحث عنه، وحين كان يلمسها كان ملايين الأرجنتينيين يشعرون أن شيئًا ممكنًا قد يحدث، لكن أعظم المنتخبات ليست تلك التي تمتلك لاعبًا يجعل المستحيل ممكنًا، وإنما تلك التي تجعل الممكن يحدث حتى في غياب اللاعب الذي اعتاد الجميع أن ينتظر منه المعجزة.
ولهذا فإن الأرجنتين تقف اليوم أمام نهاية حقبة وبداية اختبار، ليس اختبار البحث عن خليفة ميسي، وإنما اختبار قدرتها على صناعة منتخب بلا خليفة لميسي.
فالأساطير لا تتكرر، والنجوم الكبار لا يُستنسخون، لكن الأفكار يمكن أن تستمر، والمنظومات يمكن أن تتطور، والقمصان يمكن أن تنتقل من جيل إلى جيل، وإذا نجحت الأرجنتين في أن تجعل «الفريق» هو النجم الجديد، فقد تكون قد اكتشفت أخيرًا أن أعظم إرث تركه ميسي لها ليس الأهداف ولا البطولات فقط، وإنما القدرة على أن تؤمن بأن المنتخب يمكن أن يكون أقوى من أي اسم يرتدي قميصه.
وربما تكون هذه هي اللحظة التي تتحول فيها الأرجنتين من منتخبٍ كان ينتظر نجمه كي ينتصر، إلى منتخبٍ ينتصر لأن كل لاعب فيه يعرف أن عليه أن يكون جزءًا من الانتصار و في النهاية - قد يكون رحيل ميسي نهاية زمن النجم الذي يحمل المنتخب على كتفيه، وبداية زمن آخر يصبح فيه المنتخب نفسه هو النجم؛ فالأرجنتين لا تحتاج إلى ميسي جديد، بقدر ما تحتاج إلى فريق لا يتوقف انتصاره على وجود ميسي







