اشرف محمدين يكتب : « من كان حضوره مثل غيابه.. رحيله لا يهم »
ليس كل غيابٍ موجعًا، كما أن ليس كل حضورٍ نعمة، فهناك أشخاص يدخلون حياتنا ويستقرون فيها سنوات طويلة، وربما تجمعنا بهم تفاصيل كثيرة وذكريات لا تُحصى، لكنهم، رغم كل هذا القرب الزمني، يظلون بعيدين عن أرواحنا، كأن وجودهم لم يكن يومًا أكثر من مساحةٍ احتلها جسد، بينما بقي القلب خاليًا من أي أثر حقيقي لهم.
نحن في العادة نربط قيمة الإنسان في حياتنا بمدة بقائه فيها، فنظن أن من عاش معنا سنوات لابد أن يكون رحيله أكثر ألمًا ممن عرفناه لفترة قصيرة، وكأن الزمن وحده قادر على صناعة المحبة، بينما الحقيقة أن العلاقات لا تُقاس بعدد السنوات التي مرت علينا ونحن إلى جوار شخص، وإنما بعدد المرات التي شعرنا فيها أن وجوده جعل حياتنا أفضل، وأن قربه منحنا شيئًا لم نكن نملكه قبله، وأن غيابه ترك في أرواحنا مساحة لا يستطيع أحد أن يملأها بسهولة.
فكم من إنسانٍ عاش معنا عمرًا كاملًا، ثم رحل دون أن نشعر أن شيئًا من حياتنا قد انكسر، وكم من إنسانٍ عبر طريقنا لفترة قصيرة، لكنه ترك فينا من الأثر ما جعل رحيله يشبه اقتلاع جزءٍ من الذاكرة، لأن بعض الناس لا يقاس حضورهم بالوقت الذي أمضوه معنا، وإنما بالشيء الذي تركوه فينا بعد أن مضوا.
المؤلم في بعض العلاقات ليس أن تنتهي، وإنما أن تكتشف عند نهايتها أنها لم تكن موجودة بالمعنى الذي كنت تتخيله، وأنك لم تفقد شخصًا بقدر ما فقدت الوهم الذي كنت تصنعه حول وجوده، وأنك طوال الوقت كنت تمنح العلاقة أسماء كبيرة؛ تسميها حبًا، أو عشرة، أو صداقة، أو سندًا، بينما الحقيقة أن أحد الطرفين كان يعيش العلاقة بقلبه، والطرف الآخر كان يعيشها بحكم العادة، حتى أصبح البقاء مجرد استمرارٍ زمني لشيء انتهى من الداخل منذ وقت طويل.
اقرأ أيضاً
اشرف محمدين يكتب :« محمد صلاح وطرابزون.. لا تحكموا على الحكاية من أول فصل »
اشرف محمدين يكتب : «عاشر - من يزيد حياتك حياة »
اشرف محمدين يكتب « رسالة إلى حسام حسن: منتخب مصر يحتاج مدربًا.. لا بطلًا للتريند»
اشرف محمدين يكتب « رسالة إلى حسام حسن: منتخب مصر يحتاج مدربًا.. لا بطلًا للتريند»
اشرف محمدين يكتب:-الحب ليس محكمة
اشرف محمدين يكتب:-البنت المصرية - حين تصبح الهزيمة شهادة ميلاد
اشرف محمدين:-رحلة السقوط من قلب امرأة - تبدأ بالصمت
اشرف محمدين يكتب:-محمد صلاح - هل يليق بالملك أن يغادر عرش الكبار.
أشرف محمدين يكتب : «الاستخفاف - بداية النهاية»
اشرف محمدين يكتب: «زيدان - فرنسا تعيد اكتشاف نفسها »
اشرف محمدين يكتب: «حين يبقي الجسد - بلا روح»
اشرف محمدين يكتب:-المجد لا يولد بالصدفة
وأخطر أنواع الوحدة ليست تلك التي يعيشها الإنسان وحيدًا، وإنما تلك التي يعيشها بين أشخاصٍ لا يشعرون بوجوده، لأن الإنسان يستطيع أن يتصالح مع مقعدٍ خالٍ، لكنه يصعب عليه أن يتصالح مع قلبٍ يجلس إلى جواره ولا يشعر به، وأن يكون محاطًا بالبشر بينما لا يجد بينهم إنسانًا واحدًا يستطيع أن يطمئن إليه، أو يشاركه ضعفه، أو يفهم صمته، أو يشعر بأن وراء هدوئه أشياء كثيرة لا يستطيع أن يقولها.
الحضور الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، ولا إلى كثرة الكلام، ولا إلى استعراض المشاعر، لأن هناك أشخاصًا يكفي أن يكونوا بالقرب منك حتى تشعر أن العالم أصبح أقل قسوة، وأن ظهرك مسنود حتى لو لم يلمس أحدهم كتفك، وأن وحدتك أقل وطأة لمجرد أنك تعرف أن هناك قلبًا آخر يمكن أن تلجأ إليه حين تضيق بك الحياة.
الحضور الحقيقي هو أثر، والأثر لا يُرى بالعين وإنما يُشعر به القلب؛ هو أن يتغير مزاجك حين ترى شخصًا تحبه، وأن يهدأ خوفك بمجرد سماع صوته، وأن تجد نفسك أكثر قدرة على مواجهة الحياة لأنك تعرف أنه موجود، وهو أن يغيب فتكتشف أن هناك شيئًا قد نقص فعلًا من يومك، وأن المكان الذي كان يجلس فيه لم يعد مجرد مكانٍ فارغ، وإنما ذكرى حية تقول لك إن بعض البشر حين يرحلون يأخذون معهم جزءًا من تفاصيلنا التي لم نكن نعرف قيمتها إلا بعد غيابهم.
أما أولئك الذين يشبه حضورهم غيابهم، فلا ينبغي أن نخاف كثيرًا من رحيلهم، لأن الرحيل هنا لا يصنع الفراغ، وإنما يكشف الفراغ الذي كان موجودًا بالفعل؛ ولن تنهار الروح بسبب غياب من لم يكن حاضرًا فيها، ولن تبكي على شيء لم تعرفه يومًا، ولن تشعر بالوحدة بعد رحيل شخص كانت وحدتك الحقيقية تبدأ من اللحظة التي يجلس فيها إلى جوارك.
ولذلك فإن بعض نهايات العلاقات لا تستحق الحزن بقدر ما تستحق التأمل، لأنها تمنحنا فرصة نادرة لنرى الحقيقة بعيدًا عن تأثير العِشرة والخوف من الفقد، فنكتشف أن بعض الأشخاص لم يكونوا جزءًا من حياتنا بقدر ما كانوا جزءًا من عاداتنا، وأننا أحيانًا لا نتمسك بالإنسان لأنه يمنحنا شيئًا، وإنما لأننا اعتدنا وجوده، والاعتياد من أخطر الأشياء التي يمكن أن تخدع القلب، لأنه يجعلنا نخلط بين ما نحتاج إليه فعلًا وما اعتدنا عليه فقط.
العِشرة وحدها لا تصنع علاقة، والسنوات وحدها لا تمنح الإنسان قيمة، والبقاء الطويل ليس دليلًا على عمق المحبة، فقد يعيش شخص إلى جوارك عشرين عامًا ولا يعرف الطريق إلى قلبك، بينما يستطيع آخر أن يمر في حياتك أيامًا قليلة، ثم يترك خلفه أثرًا يظل معك حتى آخر العمر.
ولهذا فإن الإنسان الناضج لا يسأل فقط: «كم بقي هذا الشخص في حياتي؟»، وإنما يسأل السؤال الأصعب: «ماذا أضاف وجوده إلى حياتي؟ وماذا ترك في روحي؟ وهل أصبحت أفضل لأنني عرفته، أم أنني كنت فقط أخشى أن أكون وحدي؟».
فليست العلاقات عقود إيجار طويلة تدفعنا العِشرة إلى تجديدها كل عام، وليست ديكورًا اجتماعيًا نملأ به فراغ الأيام حتى لا يبدو علينا أننا وحدنا، وإنما العلاقة الحقيقية مساحة آمنة يلتقي فيها قلبان دون حساب، ويشعر فيها الإنسان أنه يستطيع أن يكون نفسه دون خوف، وأن يضع ضعفه أمام الآخر دون أن يخشى أن يتحول هذا الضعف يومًا إلى سلاح ضده.
وأحيانًا يكون الرحيل أكثر رحمة من البقاء، لأن بعض الأبواب لا تُغلق كي نعاقب من خرج منها، وإنما تُغلق حتى نستطيع نحن أن نواصل الطريق دون أن نظل واقفين أمامها، ننتظر شيئًا لم يعد قادمًا، ونمنح من لا يستحق المزيد من الوقت والمشاعر، فقط لأننا نخشى الاعتراف بأن العلاقة انتهت قبل أن نمتلك شجاعة إنهائها.
ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان بعد سنوات من الخيبات أن ليس كل من يبقى يستحق أن نتمسك به، وليس كل من يرحل يستحق أن نطارده، وأن الحكمة ليست في أن نُبقي كل الأبواب مفتوحة خوفًا من الفقد، وإنما في أن نعرف أي الأبواب كان دخولها خطأ، وأيها أصبح بقاؤه عبئًا، وأيها يستحق أن نغلقه بهدوء حتى نمنح الحياة فرصة لأن تفتح لنا بابًا آخر.
فالإنسان لا يخسر دائمًا عندما يرحل أحدهم، كما أنه لا يفوز دائمًا عندما يبقى أحدهم، لأن الخسارة الحقيقية ليست في غياب الأشخاص، وإنما في أن نعيش عمرًا كاملًا مع من لا يشعرون بنا، وأن ننفق أجمل سنواتنا في محاولة إقناع قلبٍ لا يريد أن يشعر بقيمتنا، وأن نظل نتمسك بعلاقة فقط لأننا خائفون من الاعتراف بأنها أصبحت مجرد اسمٍ بلا مضمون.
وفي النهاية، ربما تكون أعظم حكمة يمكن أن نتعلمها من العلاقات أن وجود الإنسان في حياتك ليس هو الدليل على قيمته، وإنما أثره فيك هو الدليل؛ فمنهم من يترك وراءه طمأنينة لا تنسى، ومنهم من يترك جرحًا يعلمك، ومنهم من يترك ذكرى تجعلك تبتسم كلما مر اسمه في ذاكرتك.







