اشرف محمدين يكتب : « طالع نازل - سم في عسل الدراما »
ليس من الضروري أن يكون العمل الدرامي جميلًا في كل ما يقدمه، ولا أن نتفق مع كل ما يحمله من أفكار حتى نعترف بقيمته الفنية، فهناك أعمال تستطيع أن تأسر المشاهد بأدائها وإخراجها وبراعة بنائها الدرامي، لكنها في الوقت نفسه تترك في وجدانه رسائل تستحق التوقف أمامها ومناقشتها، وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التي يضعنا أمامها مسلسل «طالع نازل» بطولة منى زكي، الذي انتهى عرضه تاركًا وراءه حالة من الإعجاب الفني، لكنها لا تمنعنا من التساؤل عن طبيعة العالم النفسي والاجتماعي الذي رسمه العمل لشخصياته، وعن الرسائل التي يمكن أن يستقبلها المشاهد من وراء هذا العالم المزدحم بالصراعات والعقد والجروح النفسية.
المسلسل في قمة الروعة من حيث الأداء والقدرة على جذب المشاهد، ولا يمكن إنكار أن صناعه امتلكوا أدوات فنية جعلت المتلقي متورطًا في الأحداث، متابعًا للشخصيات، ومترقبًا لمصائرها، لكن الإشكالية التي تستحق النقاش ليست في جودة الصناعة، وإنما في الفلسفة التي تحكم هذا العالم الدرامي، حيث تبدو الشخصيات وكأنها تعيش جميعًا تحت وطأة أزمات نفسية عميقة، وتتحرك في مساحة ضيقة من الشك والانتقام والرغبة في رد الأذى بأذى أكبر، حتى يصبح إيذاء الآخر امتدادًا طبيعيًا للألم الذي تعرض له الإنسان، وكأن الجرح يمنح صاحبه حق جرح الآخرين.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي، فليس كل من تعرض للظلم يصبح من حقه أن ينتقم، وليس كل من انكسر داخليًا يملك مبررًا لتحطيم من حوله، وليس من العدل أن تتحول المعاناة الشخصية إلى رخصة مفتوحة لتجاوز القيم والأخلاق، فالإنسان لا يُقاس فقط بما تعرض له من أذى، وإنما بما اختار أن يفعله بعد ذلك، وقد تكون أعظم انتصاراته أن يرفض أن يصبح نسخة ممن أساءوا إليه.
الدراما ليست مطالبة بتقديم شخصيات مثالية، ولا بتجميل الواقع أو إنكار ما فيه من اضطرابات وانحرافات إنسانية، فمن حق الكاتب أن يقترب من أكثر المناطق ظلمة في النفس البشرية، وأن يكشف ما تخفيه النفوس من تناقضات، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين كشف المرض وتطبيعه، وبين تحليل دوافع الانتقام وتقديمه باعتباره استردادًا مشروعًا للكرامة، وبين أن نجعل المشاهد يتعاطف مع إنسان أخطأ لأنه كان ضحية في وقت سابق، حتى تختلط لديه حدود التعاطف بحدود التبرير.
والأكثر خطورة أن تتراكم هذه الصورة عبر شخصيات متعددة، فيبدو الاتزان النفسي استثناءً، والتسامح ضعفًا، والاحتواء سذاجة، والانتقام شكلًا من أشكال القوة واستعادة الذات، بينما الحقيقة أن الصحة النفسية للمجتمعات لا تقوم على غياب الألم، وإنما على القدرة على التعامل معه بصورة سليمة، وعلى إدراك أن الخلاف لا يستوجب الخصومة الدائمة، وأن الخذلان لا يعني نهاية الثقة في البشر، وأن من حق الإنسان أن يغضب ويرفض ويبتعد، دون أن يتحول غضبه إلى مشروع لتدمير الآخرين.
إن المجتمع المصري، بما يحمله من منظومة قيم أسرية واجتماعية، يحتاج إلى دراما تقترب من أزماته الحقيقية دون أن تهدم في طريقها كل مساحات الأمان النفسي، ولا يعني ذلك أن نقدم مجتمعًا مثاليًا لا وجود فيه للخلافات أو الأزمات، وإنما أن نمنح المشاهد فرصة لرؤية نماذج إنسانية قادرة على تجاوز المحن، وعلى الاختيار الصحيح رغم قسوة التجربة، وعلى الانتصار للكرامة دون السقوط في مستنقع الانتقام.
وهنا يجب ألا نخلط بين الحرية الإبداعية والمسؤولية المجتمعية، فالفن لا ينبغي أن يتحول إلى درس أخلاقي مباشر، لكنه في الوقت نفسه ليس مجرد وسيلة للإبهار أو صناعة الصدمة، لأن الصورة التي تتكرر أمام الناس، والشخصيات التي نعيش معها، والأفكار التي نتعاطف معها، تترك أثرًا يتجاوز زمن المشاهدة، خصوصًا عندما تقدم السلوك الإنساني المنحرف في إطار جذاب يجعل المتلقي ينسى أحيانًا أن ما يراه ليس بالضرورة ما ينبغي أن يؤمن به.
«طالع نازل» تجربة درامية تستحق الإشادة بقدر ما تستحق المناقشة، وربما تكون هذه هي المفارقة الأهم؛ أن نحب العمل فنيًا، ونختلف معه فكريًا، وأن نعترف ببراعة صناعه دون أن نتنازل عن حقنا في مساءلة الرسائل التي يحملها. فليس كل ما يجذبنا مفيدًا، وليس كل ما نفهم دوافعه يصبح مقبولًا، وليس كل انتقام انتصارًا، فقد ينتصر الإنسان على خصمه ويخسر نفسه في اللحظة ذاتها.
ومع ذلك، فإن النهاية جاءت جميلة وتحمل درسًا إنسانيًا يستحق التوقف أمامه، فقد كشفت أن الانتقام مهما بدا لصاحبه طريقًا لاسترداد حق أو استعادة كرامة، لا يمنح صاحبه راحة حقيقية، ولا يعيد ما فقده، ولا يمحو آثار الألم الذي عاشه، بل قد يضاعف الخسائر ويفتح أبوابًا جديدة من المعاناة. وفي النهاية خرج الجميع خاسرين، ولم تكن هي استثناءً من هذه الخسارة، وكأن العمل أراد في لحظاته الأخيرة أن يقول إن الانتقام لا يصنع منتصرين، وإنما يترك الجميع أسرى لما ارتكبوه وما ألحقوه ببعضهم من أذى. وربما كانت هذه النهاية هي الرسالة الأكثر نضجًا في العمل كله، لأنها أعادت الاعتبار لحقيقة إنسانية غائبة عن كثير من صراعاته: أن الانتصار الحقيقي ليس في أن نرد الأذى، وإنما في ألا نسمح له بأن يفسد ما تبقى فينا من إنسانية.
وفي النهاية، لا يمكن أن ننكر أن «طالع نازل» عمل درامي بالغ التميز، امتلك من أدوات الإبداع ما يجعله جديرًا بالإشادة والتقدير، لكن الإبداع الحقيقي لا يُقاس فقط بقدرة العمل على إبهار المشاهد أو صدمه أو إبقائه أسيرًا للأحداث، وإنما أيضًا بما يتركه في وعيه ووجدانه بعد انتهاء المشاهدة. فالتجديد في طرح القضايا الإنسانية حق مشروع للفن، لكن الخطورة أن يتحول هذا التجديد إلى إعادة تشكيل لمفاهيم المجتمع عن النفس والكرامة والعلاقات الإنسانية، وأن تصبح العقد النفسية مبررًا للسلوك العدواني، والانتقام بديلًا عن العدالة، وإيذاء الآخرين وسيلة لاسترداد الحقوق. إننا لا نرفض أن تكشف الدراما أمراض المجتمع، لكننا نرفض أن تزرع في وجدانه أمراضًا جديدة، أو تصنع شرخًا نفسيًا في مجتمع اعتاد، رغم أزماته وتناقضاته، أن يستمد تماسكه من روابطه الإنسانية وقيمه الأسرية. فالفن يستطيع أن يطرق أبواب المناطق المظلمة في النفس البشرية، لكن عليه أن يدرك أن هناك فارقًا بين أن يكشف الظلام وأن يجعلنا نعتاد العيش فيه










