الثلاثاء 3 فبراير 2026 04:57 مـ 15 شعبان 1447هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
تحقيقات

«ممشى أهل مصر».. من مشروع خدمي إلى مساحة لا تناسب الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل.. وخبراء ينتقدون

أخبار مصر 2050

أثار قرار تحديد سعر دخول «ممشى أهل مصر» بـ75 جنيهًا للفرد في منطقة جزيرة الزمالك حالة واسعة من الجدل بين المواطنين، خاصة مع اعتبار عدد منهم أن هذا السعر يمثل عبئًا ماليًا لا يتماشى مع طبيعة المكان بوصفه مساحة عامة مفتوحة تطل على نهر النيل. وانتقد متابعون فرض رسوم على الدخول والتنزه فقط، معتبرين أن ذلك يمس حق المواطنين في الاستمتاع بالنهر دون أعباء إضافية، لا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة.

وخلال جولة ميدانية أجرتها «المصري اليوم» على مدار ثلتراجع واضح في أعداد الزائرين، إذ بدا الممشى شبه خالٍ في معظم الأوقات، واقتصر التواجد على أعداد محدودة، في مشهد عكس تأثير سياسة التسعير على معدلات الإقبال الجماهيري.

ويحكي أحمد جاد، موظف بوزارة التربية والتعليم، أنه اعتاد لسنوات طويلة اعتبار ضفاف النيل متنفسًا أسبوعيًا لأسرته، حيث كان يصطحب أبناءه الأربعة هربًا من حرارة الصيف وبحثًا عن الهدوء ونسمة هواء منعشة. لم تكن تلك النزهة تتطلب سوى «حصيرة» بسيطة وبعض الطعام الخفيف، في عادة عائلية بسيطة انتظرها الجميع مع نهاية كل أسبوع.

ويضيف «جاد» أن النيل ظل متاحًا له ولأسرته دون أي أعباء مالية لسنوات، قبل أن يتغير الوضع مع تنفيذ مشروع «ممشى أهل مصر» وفرض رسوم دخول منذ عام 2022، بواقع 30 جنيهًا يومي الخميس والجمعة، و20 جنيهًا في باقي أيام الأسبوع، وهي تكلفة أصبحت مرهقة بالنسبة له، خاصة أن رؤية النيل كانت دائمًا حقًا مجانيًا.

وقال: «كنا بنشم الهوا ببلاش، واتحرمنا من قعدة النيل بعد فرض الرسوم وانتشار البازارات السياحية والمقاهي، اللي خلت الممشى أقل ملاءمة للأسر من الطبقة المتوسطة»، مؤكدًا أن هذه التغيرات أدت إلى انقطاع عادة عائلية استمرت سنوات، بعدما تحولت نزهة بسيطة إلى عبء مادي.

وفي الوقت نفسه، أعرب عدد من سكان حي الزمالك عن قلقهم من الضوضاء المستمرة الصادرة عن بعض الأنشطة بالممشى المقابل للحي، خاصة الملاهي الليلية التي تمتد أصواتها حتى الساعات الأولى من الصباح. ودفع ذلك بعض الأهالي إلى تقديم شكاوى رسمية للجهات المختصة اعتراضًا على الإزعاج المتواصل.

ووصف أحمد مراد، أحد سكان شارع المنتزه بالزمالك، الوضع بأنه «كابوس يومي»، مشيرًا إلى أن الأنشطة الترفيهية عطلت نمط حياة السكان وحرمتهم من الحد الأدنى من الراحة، مطالبًا بتطبيق القوانين التي تتيح إغلاق المحال إداريًا في حال التسبب في إزعاج جسيم.

ولم يقتصر الجدل على سكان المناطق المحيطة، بل امتد إلى مواطنين اعتادوا قضاء أوقات بسيطة على كورنيش النيل. تقول رجاء عبد الرازق، ربة منزل، إن ساعة واحدة عند الغروب على ضفاف النهر كانت المتنفس الوحيد لها، بتكلفة لا تتجاوز أجرة المواصلات من منزلها في شبرا الخيمة إلى كورنيش روض الفرج.

وترى «رجاء» أن فرض رسوم دخول بعد تنفيذ المشروع يمثل عبئًا إضافيًا على محدودي الدخل، مؤكدة أنها لا تعارض التطوير أو دعم المشروعات القومية، لكنها تشدد على ضرورة مراعاة الظروف المعيشية لشريحة واسعة من المواطنين، حتى لا يتحول الاستمتاع بهواء النيل إلى رفاهية بعيدة المنال.

يُذكر أن المرحلة الأولى من «ممشى أهل مصر» افتُتحت في مارس 2022 على كورنيش النيل، في المنطقة الممتدة من كوبري إمبابة حتى كوبري 15 مايو، على مساحة 7066 مترًا مربعًا، وتضم 90 محلًا ومطعمًا وكافتيريا، إلى جانب مسرح مفتوح بمساحة 434 مترًا مربعًا يضم ثلاثة مدرجات ويتسع لـ1240 زائرًا، إضافة إلى 300 كشك للأنشطة الخدمية والتجارية المحلية والأجنبية.

لو حابة نسخة أقصر، أو أكثر حدة، أو مناسبة للنشر كخبر عاجل أو تقرير مطوّل، قولي وأنا أظبطها فورًا.

المشروع سيقام فى مناطق أخرى، على النيل رغم الانتقادات الموجهة إليه. منها منطقة أبوالنمرس ومنيل شيحة، رغم أن المنطقة غير ملائمة لمثل هذه المشروعات الربحية.

على مسافة لا تتجاوز أحد عشر كيلومترًا من قلب القاهرة، وبعيدًا عن صخبها وأضوائها، ينحرف الطريق فجأة إلى مسار زراعى ضيق، تتقدمه لافتة حديدية قديمة تعلن الوصول إلى قرية «منيل شيحة» التابعة لمركز أبو النمرس بمحافظة الجيزة، هنا يتغير المشهد تمامًا، وتبدأ حكاية أخرى لا تشبه ما يحدث على الضفة المقابلة من النيل.

جولة قصيرة داخل القرية كفيلة بأن تكشف حجم المعاناة اليومية لأهلها. شوارع غير ممهدة، مياه شرب لا تصلح للاستخدام، وشبكة صرف صحى غائبة منذ سنوات طويلة، رغم أن بيوت القرية لا تفصلها عن نهر النيل سوى أمتار قليلة، فى مواجهة مباشرة لحى المعادى الراقى.

أمام ورشة صغيرة بالكاد تتسع لشخصين، يجلس صلاح محمد، يراقب المارة بعين اعتادت انتظار الزبائن أكثر مما اعتادت قدومهم، يمسك بيده مفكًا، ويقاطع الصمت حديث متكرر مع صديقه أحمد عن الأنباء المتداولة حول إنشاء «ممشى أهل مصر» فى المنطقة، يبتسم صلاح بسخرية خفيفة، ويتساءل بصوت منخفض: الناس هنا بالكاد بتدبر يومها، والنيل شايفينه ببلاش، مين يقدر يدفع تمن تذكرة؟ وإيه اللى هيعود علينا أصلًا؟.

صلاح، كغيره من أبناء القرية، يعرف جيدًا طبيعة الحياة، هنا أغلب الرجال يعملون فى الحرف اليدوية أو كعمالة يومية، بينما تعتمد كثير من السيدات على العمل فى تنظيف المنازل داخل حى المعادى، ورغم ذلك، لا تزال القرية محرومة من أبسط المرافق، منذ أكثر من عشرين عامًا، يعيش الأهالى دون صرف صحى منتظم أو مياه شرب نظيفة، بينما تتقدم إليهم مشروعات لا يشعرون بأنها تخصهم.

على ضفة أخرى من الحكاية، تسير كريمة صادق، الأربعينية، بخطوات حفظتها جيدًا خلال خمسة عشر عامًا من التنقل اليومى، تعبر النيل عبر المعدية متجهة إلى المعادى، حيث تعمل فى تنظيف المنازل، لتساعد زوجها على توفير ثمن زجاجات المياه النظيفة، ودفع تكلفة كسح الصرف الصحى التى تلتهم جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة، لا تحلم كريمة بالكثير، كل ما تريده حسب وصفها، حياة «نظيفة» لأبنائها، ويوم تعود فيه إلى بيتها دون أن تضطر لخدمة بيوت الآخرين.

وبالقرب من المعدية، تقف ثناء صالح، تحمل أمتعتها الثقيلة على كتفها، تنتظر القارب الذى سيعبر بها إلى الضفة الأخرى. ملامح الإرهاق واضحة على وجهها، لكنها اعتادت الانتظار، كما اعتادت الرحلة، وكما اعتادت حياة معلقة بين ضفتين: واحدة ترى فيها التطوير يلمع، وأخرى لا تزال تبحث عن أساسيات الحياة.

فى «منيل شيحة»، لا يطلب الأهالى الكثير. فقط يريدون أن تصلهم الخدمات قبل أن تصل إليهم المشروعات، وأن يشعروا أن النيل القريب منهم ليس مجرد منظر جميل، بل جزء من حياة كريمة لم تكتمل بعد.

هناك من يرى أن المشروع نقلة حضارية فى استغلال الواجهة النيلية وتحويلها إلى متنفس سياحى وترفيهى، ومن يعتبره مشروعًا انحرف عن هدفه الاجتماعى وتحول تدريجيًا إلى مساحة تخدم فئات بعينها، خاصة بعد رفع قيمة تذكرة الدخول فى بعض مناطقه، مثل ممشى الزمالك، لتصل إلى ٧٥ جنيهًا.

وقال الدكتور خالد الشافعى، الخبير الاقتصادى، إن مشروع ممشى أهل مصر حمل منذ تنفيذه عددًا من الأخطاء الجوهرية، أخرجته عن مساره الأساسى، وهو خدمة المواطن المصرى بجميع فئاته الاجتماعية. وأوضح الشافعى أن أبرز هذه الأخطاء تمثلت فى تخصيص مساحات كبيرة للكافيهات والمطاعم التى تقدم خدمات بأسعار سياحية، ما جعل المشروع أقرب إلى كونه نشاطًا استثماريًا ربحيًا، بدلًا من كونه متنفسًا عامًا مفتوحًا للمواطنين.

وأشار إلى أن رفع أسعار تذاكر الدخول لتصل إلى ٧٥ جنيهًا فى بعض المناطق، يعد مؤشرًا واضحًا على تغليب البعد الربحى على البعد الخدمى، مؤكدًا أن هذه القيمة لا تراعى الظروف الاقتصادية لقطاع واسع من المواطنين، وأضاف: «كان من البديهى، قبل تنفيذ أى مشروع عام بهذا الحجم، طرح تساؤلات جوهرية تتعلق بطبيعة المشروع، وهل هو متاح لكل فئات المجتمع أم لا، لأن الوصول بسعر التذكرة إلى ٧٥ جنيهًا يعكس غياب البعد الاجتماعى فى التخطيط».

ولفت إلى أن تنفيذ المشروع لم يضع المواطن فى صدارة الأولويات، بل اتجه بشكل واضح نحو تحقيق الأرباح، وهو ما يتضح فى عدة نقاط، سواء من حيث طبيعة الأنشطة التجارية، أو تسعير الخدمات، أو آليات الدخول، وشدد على أن مخرجات المشروع الحالية تستوجب إعادة دراسته من جديد، مع إعادة الاعتبار لفكرة أن الممشى مشروع عام مخصص للمواطن، وليس مجرد مصدر للربح، موضحا أن تحديد هوية المشروع مسألة أساسية، فإذا كان الغرض من الممشى سياحيًا بحتًا، فيجب الإعلان عن ذلك بوضوح، أما إذا كان مشروعًا يخدم الأجيال الحالية والمقبلة، فيجب وضع آليات واضحة تضمن حقوق الأجيال القادمة فى الاستفادة منه، وأكد أن المشروعات القومية الكبرى لا تُقاس فقط بالعائد المالى، وإنما بمدى تحقيقها للعدالة الاجتماعية والاستدامة.

14486b0e209c.jpeg
ea511ad115c3.jpeg
fe526611b2f3.jpeg
اخبار اخبار مصر تحقيقات

مواقيت الصلاة

الثلاثاء 04:57 مـ
15 شعبان 1447 هـ 03 فبراير 2026 م
مصر
الفجر 05:16
الشروق 06:44
الظهر 12:09
العصر 15:11
المغرب 17:33
العشاء 18:53