اشرف محمدين يكتب :-الإدارة الرياضية - حين تصبح القيادة توازنًا بين قوة القرار وحكمة الروح
الإدارة الرياضية - حين تصبح القيادة توازنًا بين قوة القرار وحكمة الروح
في عالم الرياضة، الذي يبدو للوهلة الأولى مجرد منافسات تُحسم داخل المستطيل الأخضر أو فوق أرضية الملعب، تكمن في العمق منظومة أكثر تعقيدًا واتساعًا، منظومة تُدار بعقول لا تقل أهمية عن أقدام اللاعبين، وتُبنى فيها النجاحات الحقيقية بعيدًا عن الأضواء، حيث يقف الإداري الرياضي ليس كموظف يؤدي مهامًا روتينية، بل كقائد حقيقي يحمل على عاتقه مسؤولية تشكيل كيان كامل، وصياغة هوية مؤسسة، ورسم ملامح مستقبل قد يمتد لسنوات طويلة، وهنا تحديدًا لا تكفي السلطة وحدها، ولا يصنع المنصب نجاحًا، بل يتطلب الأمر شخصية متكاملة تعرف كيف تمسك العصا من المنتصف، فتجمع بين قوة القرار واتزان الحكمة وسلامة النفس وعمق الخبرة.
فالقوة في الإدارة الرياضية لا تعني أبدًا القسوة أو التسلط، ولا تُقاس بحدة الصوت أو فرض الرأي، بل تُقاس بقدرة صاحبها على الثبات في أصعب اللحظات، وعلى اتخاذ القرار في توقيته الصحيح دون ارتباك أو تردد، وعلى تحمّل تبعات هذا القرار مهما كانت نتائجه، لأن القائد الحقيقي هو من يعرف متى يقول “نعم” بثقة، ومتى يقول “لا” بحزم، دون أن تهزه الضغوط أو تُربكه ردود الأفعال، فيظل متماسكًا كصخرة وسط أمواج متلاطمة، لا ينكسر ولا ينجرف، بل يوجّه الدفة بهدوء وثقة.
لكن هذه القوة، مهما بلغت، تظل ناقصة إن لم تُحاط بإطار من الحكمة، فالإدارة الرياضية ليست معادلات جامدة أو قرارات حسابية بحتة، بل هي مزيج إنساني شديد الحساسية، تتداخل فيه مشاعر اللاعبين، وطموحات المدربين، وضغوط الجماهير، وحسابات المستثمرين، وهنا يظهر الفارق بين من يدير بعقل فقط، ومن يقود بعقل وقلب معًا، فالحكيم هو من يرى ما وراء اللحظة، من يفهم أن الغضب قد يكون صرخة احتياج، وأن الخسارة قد تكون بداية تصحيح، وأن القرار الذي يبدو قاسيًا اليوم قد يكون طوق النجاة غدًا، ولذلك فهو لا يتعجل، ولا ينجرف، بل يزن الأمور بميزان دقيق يجمع بين الواقع والتوقع، وبين الحاضر والمستقبل.
اقرأ أيضاً
اشرف محمدين يكتب :-الإدارة الرياضية - حين تصبح القيادة توازنًا بين قوة القرار وحكمة الروح
طرح عملة الـ «2 جنيه» قريبا وتغيير سبيكة الجنيه لمواجهة الصهر
أهم أسباب الصداع المصحوب بألم في العين وطرق التعامل معه
مجلس الوزراء: الاثنين المقبل إجازة رسمية بمناسبة عيد شم النسيم
رئيس الاتحاد السنغالى يحسم الجدل: لا أساس قانونى لسحب لقب كأس أمم إفريقيا
صلاح على أعتاب الهلال فى صفقة تبادلية محتملة مع ليوناردو
هل ينفد الوقود من أوروبا؟.. حرب إيران تتسبب فى إلغاء رحلات وزيادة سعر التذاكر
عاجل| «التعليم» تحسم جدل تعطيل الدراسة يومي الأربعاء والخميس المقبلين بسبب الطقس
تصعيد أميركي متسارع في حرب إيران.. وخيارات طهران تضيق
رسميا.. «التعليم» تحسم الجدل حول «إلغاء أو تعديل» موعد امتحانات نهاية العام| عاجل
عاجل.. شبهة إهدار للمال العام.. شكوى لوزير الرياضة ضد إدارة الأهلي بالمستندات
قانون الضريبة العقارية يحدد مواعيد تقديم الأقرار..
وإذا كانت القوة تمنح القدرة على الحسم، والحكمة تمنح القدرة على التوازن، فإن السوية النفسية تمنح القدرة على العدل، لأن الإداري الذي لم يتصالح مع نفسه، سيجعل من منصبه ساحة لصراعاته الداخلية، فيختلط القرار بالمزاج، وتتحول الإدارة إلى تصفية حسابات أو محاولة مستمرة لإثبات الذات، بينما الإداري السوي هو من يتعامل مع الجميع بروح عادلة، لا تحركه أنانية ولا يقوده غرور، بل يضع مصلحة الكيان فوق كل اعتبار، فينصف دون تحيز، ويمنح الفرص دون حسابات شخصية، ويخطئ أحيانًا، نعم، لكنه لا يظلم أبدًا.
ولا يمكن لأي إدارة رياضية أن تستقيم دون خبرة حقيقية تُترجم الواقع إلى قرارات واعية، فالنظريات وحدها لا تكفي، والاطلاع دون معايشة يظل ناقصًا، لأن من لم يشعر بحرارة المنافسة، ولم يختبر مرارة الهزيمة، ولم يتذوق نشوة الانتصار، سيظل بعيدًا عن جوهر اللعبة مهما امتلك من معلومات، ولذلك فإن الإداري الحقيقي هو من مرّ بتجارب تصقل رؤيته، سواء داخل الملعب أو عبر دراسة عميقة لعلوم الرياضة، فيفهم لغة اللاعبين، ويستوعب عقلية المدربين، ويتعامل مع التفاصيل لا كأرقام جامدة، بل كواقع حيّ نابض.
وفي خضم هذه المنظومة المعقدة، تصبح القدرة على التواصل جسرًا لا غنى عنه يربط بين كل الأطراف، لأن النادي ليس كيانًا صامتًا، بل عالم مليء بالأصوات المتباينة، من لاعب يبحث عن الأمان، إلى مدرب يسعى للثقة، إلى جمهور يطالب بالانتصار، إلى إعلام يراقب ويحلل، وهنا لا يكفي أن يجيد الإداري الحديث، بل الأهم أن يتقن فن الإصغاء، أن يسمع ما يُقال وما لا يُقال، وأن يحول هذا الضجيج إلى قرارات متزنة تجعل الجميع يشعر أنه جزء من الرحلة لا مجرد عنصر هامشي فيها.
وتظل النزاهة هي العمود الفقري الذي إن انكسر، انهارت معه كل القيم، لأن الرياضة في جوهرها عدالة، وإذا تسلل الفساد إلى إدارتها، فقدت معناها الحقيقي، وهنا لا تقتصر النزاهة على البعد عن المنفعة الشخصية فقط، بل تمتد لتشمل وضوح الرؤية وشفافية القرار، بحيث لا تُدار الأمور في الخفاء، ولا تُبنى القرارات على المجاملات، لأن الجماهير قد تتقبل خسارة مباراة، لكنها لا تتسامح مع خيانة الثقة، ولا تغفر التلاعب مهما طال الزمن.
ومن بين أهم ما يميز الإداري الناجح، قدرته على النظر إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة، لأن الرياضة ليست سباقًا قصيرًا، بل مشروع طويل الأمد، يحتاج إلى رؤية تبني ولا تستهلك، وتؤسس ولا تكتفي بالنتائج السريعة، فالقائد الحقيقي هو من يستثمر في المستقبل، في الناشئين، في البنية التحتية، في الفكر قبل الأفراد، لأنه يدرك أن البطولات الحقيقية لا تُصنع بالصدفة، بل بالتخطيط الذي يرى ما لا يراه الآخرون.
وعندما تهب الأزمات، وهي حتمية في عالم الرياضة، يظهر المعدن الحقيقي للإداري، فإما أن يكون جزءًا من المشكلة، أو يصبح مفتاح الحل، لأن إدارة الأزمات ليست مجرد رد فعل، بل فن تحويل السقوط إلى نقطة انطلاق، والضغط إلى دافع، والخسارة إلى درس، وهنا فقط يُكتب الفرق بين من ينهار عند أول اختبار، ومن يصنع من العاصفة بداية جديدة أكثر قوة وثباتًا.
وفي النهاية، لا يمكن اختزال الإدارة الرياضية في منصب أو لقب، لأنها في جوهرها رسالة قبل أن تكون وظيفة، وفن قبل أن تكون علمًا، ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سلطة، حيث لا يُقاس القائد بقدرته على التحكم، بل بقدرته على الإلهام، ولا بمدى شدته، بل بقدر إنسانيته، لأنه ببساطة لا يدير فريقًا فقط، بل يؤثر في عقول وأحلام وأجيال، ويُسهم في تشكيل وعي مجتمع بأكمله، فالرياضة لم تكن يومًا مجرد لعبة، بل كانت دائمًا قوة ناعمة تصنع الانتماء، وتوحد الشعوب، وتكتب قصصًا تبقى في الذاكرة.
ولهذا، فإن الرياضة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من المسؤولين، بقدر ما تحتاج إلى قادة حقيقيين، يمتلكون قوة بلا غطرسة، وحكمة بلا تردد، وخبرة لا تتوقف عند حد، وعلمًا لا ينفصل عن إنسانية، لأن هؤلاء فقط هم القادرون على ترك أثر لا يُمحى، وإرث يبقى شاهدًا على أنهم لم يكونوا مجرد إداريين مرّوا من هنا، بل قادة صنعوا الفارق وتركوا خلفهم ما يستحق أن يُحكى










