اشرف محمدين يكتب:-العدالة الغائبة - حين تتحكم الأهواء و العناد
في كرة القدم، قد تختلف النتائج، وقد تتباين وجهات النظر، لكن هناك أمرًا واحدًا لا يجب أن يكون محل جدل أو شك… وهو العدالة. لأن العدالة، ببساطة، هي الروح التي تمنح اللعبة معناها، وهي الضامن الوحيد لأن تبقى المنافسة شريفة، لا تميل مع هوى، ولا تنحاز لضغط، ولا تتأثر بضجيج.
وفي مصر، تعود أزمة التحكيم إلى الواجهة من جديد، بعد الجدل الذي صاحب مباراة الأهلي وسيراميكا كليوباترا، وهي أزمة ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لمسار طويل من الأخطاء التي تتكرر، حتى أصبحت جزءًا من المشهد، لا استثناءً فيه.
والمثير للاهتمام، أن هذه الأزمة لم تعد محلية فقط، بل هي جزء من حالة عالمية، حيث يخرج نادٍ بحجم ريال مدريد ليعبّر عن استيائه من قرارات تحكيمية يراها مؤثرة، وقبلها كان برشلونة يصرخ لسنوات طويلة من الظلم التحكيمي وكأن الرسالة باتت واضحة: حين تغيب العدالة، لا يسلم منها كبير ولا صغير، ولا محلي ولا عالمي.
لكن الفارق الحقيقي، ليس في الشكوى بل في الطريقة.
اقرأ أيضاً
سر الجمال المخفي في الأرض… مكوّن طبيعي يمنح بشرتك شبابًا متجددًا ومرونة لا تُقاوم.”
فاو تحذر: إغلاق مضيق هرمز قد يتحول إلى كارثة عالمية في الزراعة والغذاء.. عاجل
شرب الماء قبل النوم.. فوائد محتملة ومخاطر يجب الانتباه لها
سحر الأحجار الداكنة: كيف ترتدين اليشم والأوبال والفيروز بأناقة؟
لامين يامال يتحدى قبل موقعة أتلتيكو مدريد: الريمونتادا مسؤولية جماعية
احذر المشروبات الغازية عقب تناول الملوحة والأسماك المملحة.. تعرف على السبب
مدحت صالح يطرح أحدث أغنياته «ناقصك إيه» بمشاركة نجله أدهم صالح
الطقس غدا.. ارتفاع جديد فى درجات الحرارة وشبورة ونشاط رياح والعظمى بالقاهرة 29
من فوق قمة ”الجلالة”.. وزيرا النقل والكهرباء يطلقان إشارة بدء مشروعات طاقة الرياح
المجلس القومي للمرأة يثمن توجيهات الرئيس بسرعة إصدار قوانين الأسرة
الاحتفال بشم النسيم حلال أم حرام؟.. وزارة الأوقاف تجيب
مقتل طالبة لسرقة هاتفها بالشرقية.. والأم: عروسة الجنة وزغردت فى جنازتها
فـالأهلي، عبر تاريخه الطويل، لم يكن يومًا نادي الصراخ أو البكاء على الأطلال، ولم يتقن لعب دور الضحية، رغم أن ذاكرته، لو فتحت صفحاتها، ستحكي عن مباريات كثيرة كان فيها الطرف الأهدأ… والأكثر تضررًا.
ومع ذلك، ظل يتمسك بلغة واحدة: المطالبة بالعدالة - لا استجداءها.
ولعل من أبرز مواقف الأهلي، إصراره الدائم على الاستعانة بحكام أجانب في المباريات الحساسة، ليس تشكيكًا في الكفاءة المصرية بقدر ما هو بحث عن الطمأنينة، ومحاولة لغلق أبواب الجدل، ورفع الحرج عن الحكم المحلي، قبل أن يكون دفاعًا عن حقوقه.
هنا تتجلى المفارقة -
نادي يطالب بالعدالة في هدوء، فيُتهم أحيانًا بالتشدد…
ونادٍ آخر يرفع صوته، فيُحسب له أنه يدافع عن حقوقه!
وكأننا أمام معادلة مقلوبة، تُكافئ الضجيج، وتُفسّر الصمت على أنه رضا، بينما الحقيقة أن الصمت أحيانًا يكون أبلغ من ألف احتجاج، وأقوى من أي بيان.
إن أزمة التحكيم في مصر ليست في خطأ هنا أو هناك، فالأخطاء جزء من اللعبة، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في تكرار الأخطاء، وفي غياب المحاسبة الواضحة، وفي الشعور العام بأن العدالة ليست مضمونة بنفس القدر للجميع.
وهذا هو أخطر ما في الأمر
لأن فقدان الثقة في التحكيم، لا يضر ناديًا بعينه، بل يضرب مصداقية المسابقة بأكملها، ويحوّل النقاش من داخل الملعب إلى خارجه، ومن الأداء إلى القرارات، ومن الإبداع إلى الجدل.
وفي إحدى اللقطات التي أثارت جدلًا واسعًا، بدا أن قرار عدم احتساب ركلة جزاء لصالح الأهلي لم يكن مجرد تقدير لحظي داخل الملعب، بل قرارًا اتخذ اتجاهه مبكرًا، قبل حتى الاستعانة الكاملة بتقنية الفيديو، وهو ما أعطى انطباعًا لدى كثيرين بأن مراجعة اللقطة لم تكن لإعادة التقييم بقدر ما كانت لتأكيد قرارٍ تم اتخاذه سلفًا.
وهنا تبرز الإشكالية الحقيقية… ليس في القرار نفسه، فكل حكم معرض للخطأ، ولكن في شعور عام بأن بعض القرارات تُحسم ذهنيًا قبل أن تُمنح فرصة المراجعة العادلة، وهو ما يُفقد تقنية الفيديو جوهرها الأساسي، كأداة لتصحيح الأخطاء، لا كوسيلة لتثبيتها.
و هنا لا أتكلم عن الاهلي فقط بل المتضرر المناخ العام الكروي ككل و اغلب الاندية تعاني نفس المعاناه -
لا يحتاج الأهلي إلى أن يصرخ ليُثبت أنه مظلوم، ولا أن يلوّح بدور الضحية ليكسب تعاطفًا، لأنه ببساطة تعلّم عبر تاريخه أن البطولات لا تُنتزع بالضجيج، بل بالثبات، وأن الحقوق لا تُصان بالصوت العالي، بل بالإصرار الهادئ على العدل… لكن، وبين هذا وذاك، تظل هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الصبر، مهما طال، لا يجب أن يُختبر إلى ما لا نهاية، وأن الصمت، مهما كان راقيًا، لا ينبغي أن يُساء تفسيره على أنه قبول بالأخطاء، أو تسليم بواقع غير عادل… لأن العدالة، إن لم تكن واضحة وصريحة وحاسمة، فإنها تتحول إلى مجرد شعار جميل، يُقال كثيرًا… ولا يُطبّق إلا قليلًا. وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأعمق أن كرة القدم، مهما بلغت من صخبٍ وضجيج، لا تُقاس فقط بعدد الأهداف، بل بميزان العدالة الذي يُدار به المشهد كله… لأن المباراة التي تُحسم بقرارٍ ملتبس، تترك في النفوس أثرًا أطول من فرحة هدفٍ صحيح، وتجعل الانتصار نفسه محل تساؤل، والهزيمة محل شك، فتضيع قيمة المنافسة بين ما كان يجب أن يكون… وما حدث بالفعل.
ولعل الأندية الكبيرة، وفي مقدمتها الأهلي، لا تخشى الخسارة بقدر ما تخشى أن تُسلب منها حق المنافسة العادلة، فهي اعتادت عبر تاريخها أن تلعب تحت ضغط، وأن تنتصر رغم الظروف، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن استمرار أي منظومة كروية لا يقوم على قوة فريق، بل على ثقة الجميع في عدالة الحكم.
فالعدالة ليست رفاهية تُطلب عند الأزمات، بل هي أساس تُبنى عليه اللعبة من جذورها… وإذا اهتز هذا الأساس، فلن تُجدي بعدها لا بطولات، ولا انتصارات، لأن الجماهير قد تختلف في الانتماء، لكنها لا تختلف أبدًا على شعورها بالإنصاف أو الظلم.
ومن هنا، فإن القضية لم تعد دفاعًا عن نادٍ، ولا هجومًا على حكم، بل هي دعوة صريحة لأن تستعيد كرة القدم معناها الحقيقي… أن تكون ساحة تنافس، لا ساحة جدل، وأن يكون الحكم فيها شاهدًا على العدالة، لا طرفًا في الرواية… لأن أعظم ما يمكن أن تكسبه اللعبة، ليس فوز فريقٍ اليوم، بل ثقة الجميع غدًا










