اشرف محمدين يكتب :-لأن القلوب لا تُعوَّض - تمسّك بمن يشبه روحك
كم هو نادرٌ في هذا الزمان أن تعثر على إنسانٍ لا يحتاج منك أن تشرح نفسك في كل مرة، ولا يضعك في مواقف اختبارٍ باردة ليقيس بها مقدار محبتك أو صدقك، ولا يُرهق قلبك بأسئلةٍ خفيةٍ تحمل في طيّاتها شكًا أكثر مما تحمل طمأنينة، بل يأتيك ببساطةٍ هادئة كأنّه إجابةٌ كنت تبحث عنها دون أن تدري، ويستقر داخلك كأنّه كان قطعةً ناقصة في روحك فاكتملت به دون ضجيج.
ذلك الإنسان الذي يُلائم روحك لا يُشبه الآخرين، لأنه لا يتعامل معك بمنطق المكاسب، ولا يحضر إليك فقط حين تضيق به الطرق أو يحتاج منك شيئًا، بل يكون معك في سَعة الوقت كما هو في ضيقه، في حضورك كما في غيابك، لا يُساوم على مشاعرك، ولا يستبيح أسرارك، ولا يُحوّل ضعفك الإنساني إلى سلاحٍ يُستخدم ضدك يومًا ما، بل يراه أمانةً يجب أن تُصان، لأن العلاقة عنده ليست مساحة استهلاك، بل مساحة احتواء.
هو ذلك الذي لا يكسر خواطرك، لا لأنه مثالي، ولكن لأنه يُدرك أن القلوب لا تُجبَر بسهولة إذا انكسرت، وأن الكلمة التي تُقال في لحظة قسوة قد تظلّ عالقة في الروح أكثر مما تظلّ الكلمات الجميلة، فيختار ألفاظه كما يختار مكانته في حياتك، بحذرٍ يُشبه الحب، ووعيٍ يُشبه النضج، وحنانٍ لا يحتاج إلى إعلان.
هو الذي لا يملّ منك، ليس لأنك بلا عيوب، ولكن لأنه يرى فيك ما يتجاوز عيوبك، يرى إنسانك قبل تفاصيلك، فيحتملك دون أن يُشعرك أنه يتحمّلك، ويُساندك دون أن يُشعرك أنك عبء، ويقف بجانبك دون أن يُذكّرك يومًا بأنه وقف، كأن وجوده معك أمرٌ طبيعي لا فضل فيه، رغم أنه في الحقيقة نعمةٌ لا تُقدّر بثمن.
وما أجمل أن يكون هذا الإنسان حاضرًا في حياتك دون أن تطلب، قريبًا دون أن تنادي، صادقًا دون أن تُفتّش خلف كلماته، بسيطًا دون أن يُعقّد الأشياء، كأنه اختار أن يكون جزءًا من سلامك لا سببًا في قلقك، وكأن الحياة أهدتك إياه مكافأةً على صبرٍ طويل لم تشتكِ منه.
فإذا صادفت هذا النوع من البشر، فلا تتعامل معه باعتباره أمرًا عاديًا، ولا تظن أن وجوده مضمون، لأن القلوب النقية لا تتكرر كثيرًا، والناس الذين يمنحونك الأمان دون شروط هم الاستثناء لا القاعدة، والجميل في هذا العالم ليس كثرة من حولك، بل صدق من يبقى.
تمسّك به… لا بالخوف من فقده، ولكن بالتقدير الحقيقي لوجوده، احفظه كما يحفظك، وكن له كما كان لك، لأن العلاقات التي تُبنى على هذا النقاء لا تزدهر بالصدفة، بل تستمر بالوعي، وتنمو بالاهتمام، وتُحفظ بالصدق.
فالحياة، يا صديقي، لا تُقاس بعدد الأيام التي نعيشها، بل بوجود من يجعل تلك الأيام أخفّ، أهدأ، وأقرب إلى القلب… وإذا وجدت من يشبه روحك، فلا تفرّط فيه، لأن بعض الأشخاص لا يُعوَّضون، بل يُعوَّض بهم كل شيء و و في النهاية - ستكتشف أن القيمة الحقيقية لأي إنسان في حياتك لا تُقاس بمدى حضوره في لحظات صفائك فقط، بل بقدرته على احتوائك حين تضطرب، وبصبره عليك حين تغضب، وبحنانه عليك حين تحزن، لأن من يحبك فعلًا لا يختار نسختك السهلة فقط، بل يحتضن نسختك المتعبة، المرتبكة، التي لا تُجيد التعبير عن نفسها في بعض الأحيان، ومع ذلك لا يتخلى عنها ولا يُحاسبها بقسوة، بل يمنحها من قلبه مساحة أمان تعيدها إلى اتزانها دون أن تُشعرها أنها كانت عبئًا يومًا ما.
فإذا وجدت من لا يُشعلك أكثر في غضبك، بل يُطفئك، ومن لا يُثقلك في حزنك، بل يُخففك، ومن لا يبتعد حين تحتاجه، بل يقترب بهدوءٍ يُشبه الرحمة… فاعلم أنك أمام إنسانٍ نادر، لا يُعوَّض بسهولة، ولا يتكرر كثيرًا، وأن الحفاظ عليه ليس رفاهية، بل مسؤولية قلب يعرف جيدًا قيمة من اختار أن يبقى حين كان الرحيل هو الخيار الأسهل.
لأن الحياة لا تُزهِر بمن يُجيد الحضور فقط… بل بمن يُجيد الاحتواء










