مصريون يبيعون الذهب ليشتروا البلح: مغامرة استثمارية قد تضاعف لك الجرامات أو تكبّدك خسائر
في قرية سقارة بمحافظة الجيزة، لا يُباع الذهب دائمًا من أجل الزواج أو مواجهة ضائقة مالية، بل قد يُباع لشراء شيء آخر ينتظر الجميع موسمه كل عام: البلح.
منذ سنوات طويلة، اعتادت عائلات في القرية أن تبيع ما تملكه من مشغولات وسبائك الذهب مع بداية الموسم، ثم تستثمر ثمنها في شراء البلح، على أمل أن يعود الموسم بأرباح تكفي لاسترداد الذهب مرة أخرى، بل وزيادة عدد الجرامات أيضًا.
بعضهم كان يستدين جرامات من أقاربه وجيرانه، وآخرون كانوا يأخذون ذهب الزوجة أو الابنة لتمويل الموسم، قبل أن يعيدوه إليها بعد انتهائه بجرامات أكثر.
لكن ما نجح لعقود لم يعد بالسهولة نفسها. فارتفاع أسعار البلح، والتقلبات الحادة في أسعار الذهب، ووجود كميات كبيرة من البلح داخل المخازن، جعل كثيرين يعيدون التفكير في هذه المغامرة، بينما فضّل آخرون الاحتفاظ بذهبهم أو اللجوء إلى الشراكة بدلًا من المخاطرة بكل ما يملكون.
يستعرض «المصري لايت» هذه المغامرة الاستثمارية التي قد تبدو غريبة، بين عدد من أهالي قرية سقارة، بينهم عائلات تمارس هذه التجارة منذ أكثر من 30 عامًا، وآخرون بدأوا الاستثمار فيها خلال السنوات الأخيرة، وكيف تحوّل الذهب بالنسبة لهم من مجرد ملاذ آمن إلى رأس مال يدخل موسم البلح ويخرج منه على هيئة جرامات جديدة أو خسارة.
«30 سنة بنبيع الذهب علشان نشتري البلح»
يقول سيد إبراهيم، أحد العاملين في تجارة البلح بقرية سقارة، إن العلاقة بين المعدن الأصفر والبلح في قريتهم ليست جديدة، بل تمتد لعشرات السنين، موضحًا أن كثير من الأشخاص اعتادوا الاعتماد على الذهب لتمويل الموسم.
ويضيف: «على مدار 30 عامًا كنا بنبيع علشان نشترى البلح، وبعد ما نبيع البلح وناخد المكسب بنشترى الذهب تانى علشان نحافظ على الفلوس إنها متتصرفش».
ويشرح سيد أن بداية الموسم كانت دائمًا ترتبط ببيع الذهب خلال شهر يوليو، ثم استخدام ثمنه في شراء البلح.
اقرأ أيضًا: الذهب أم العقار أم صناديق الاستثمار؟ مزايا وعيوب 3 طرق لحماية وتنمية أموالك
ويقول: «كنا بنبدأ نبيع في شهر 7 علشان نشترى البلح، وبنشترى البلح عراجين أو بنشترى البلح وهو على النخل، وآخر السنة بنجمع مكسبه وبنشترى جرامات تانى».
ورغم نجاح هذه الطريقة لسنوات طويلة، يؤكد سيد أن الظروف اختلفت كثيرًا عن الماضي.
يوضح: «اللى اتغير عن زمان إن البلح غالى، كان ممكن تكسب فى الموسم بنسبة 30%، إنما دلوقتى ممكن تكسب 10% فقط، والذهاب لنفسه أسعاره برفع وتنزل ومش موجود».
ويؤكد أن الاستثمار لم يكن يحقق أرباحًا مضمونة كل عام، موضحًا أن الأمر كان يعتمد على ظروف السوق وحجم الطلب.
ويقول: «مش دايمًا فى مكسب، ممكن حد يكسب كويس ويزود ذهبه علشان الموسم الجاى، لنفسه ناس ممكن تخسر كل حاجة، وده بيكون رزق».
«ذهب سلف»
يوضح سيد إبراهيم أن الاعتماد على الذهب لم يكن يقتصر على ما تملكه الأسرة فقط، بل كان يمتد أحيانًا إلى الاستعانة بالأقارب والجيران إذا لم تكن الكمية كافية لشراء البلح.
ويقول: «زمان لو فى حد ذهبه مكملش المبلغ المطلوب علشان يشترى البلح كان ممكن ياخد من جاره جرامات بتقديمه ليه غرامات تانى، ولو دلوقتى أسعار الذهب المتميزة ومكسب البلح زى زمان أكيد كنا هنعمل كده برضو».
لكن هذه العادة بدأت تتراجع خلال السنوات الأخيرة، ليس بسبب تغير العلاقات بين الأهالي، وإنما بسبب ارتفاع أسعار الذهب وتقلباته المستمرة.
وتقول زوجة سيد: «الفترة الأخيرة دى محدش بقى بيغامر زى الأول بذهبه لأن الأسعار غير مستقرة، لكن الناس ممكن تعمل جمعيات أو تشارك حد تانى وتتفق مع اللى شاركته على الأرباح».
ورغم ذلك، يرى أن بعض العاملين في تجارة البلح ما زالوا يفضلون بيع الذهب مهما كانت ظروف السوق، لأن البلح بالنسبة لهم ليس مجرد تجارة، وإنما مصدر رزقهم الأساسي.
وتؤكد: «فى ناس مهما تقلبت الأسعار هتبيعه لأن البلح هو مصدر رزقها».
اقرأ أيضًا: حسبنا لك الزيادة الجديدة في مصنعية الذهب لكل الأوزان: هل ستؤثر على شراء السبائك والجنيهات؟
«كنت باخد ذهب مراتى وأرجعهولها تاني»
يؤكد مصطفي أن الاعتماد على ذهب الزوجة كان أمرًا معتادًا داخل كثير من الأسر العاملة في البلح، موضحًا أن الأمر كان يتم باتفاق كامل داخل الأسرة.
ويقول: «ممكن آخد من زوجتى 10 جرام وأجيب البلح، وآخر السنة أكسب فى البلح وأجيبلها جراماتها تانى».
ويشير إلى أن حركة المعدن الأصفر داخل القرية كانت ترتبط ارتباطًا مباشرًا بموسم البلح، حتى إن الأسعار المحلية كانت تتأثر بإقبال الأهالي على البيع والشراء.
ويضيف: «الذهب عندنا بيغلى بعد البلح لأن كل الناس بتروح تشترى لعيالها ذهب بعد البلح، لكن قبل البلح الذهب بيرخص لأن كل الناس بتبيع، وطبعًا الأسعار دى بتكون محليًا».
الذهب أولًا… ثم الأرض
لا يتوقف الاستثمار بالنسبة لمصطفي عند الذهب، إذ يرى أن الاحتفاظ بالمعدن النفيس ليس الهدف النهائي، وإنما وسيلة للوصول إلى استثمار أكبر إذا سمحت الأرباح بذلك.
ويقول: «فى حالة زيادة الجرامات بالقدر اللى يسمح بشراء قطعة أرض، ممكن أشترى قطعة أرض لأنها أفضل من حيث الاستثمار».
ويؤكد أن المكاسب كانت تظهر أحيانًا بصورة واضحة داخل الأسرة نفسها، مستشهدًا بما حدث مع زوج ابنته خلال الموسم الماضي.
ويضيف: «أخذت من زوجتى خاتمين فى الموسم السابق، وكسبت فيه وجبتلها خاتم زيادة».
كيف بدأ المستثمرون الجدد؟
لا تقتصر الفكرة على أصحاب الخبرة، فهناك أيضًا من خاض التجربة في السنوات الأخيرة.
وتقول سيدة يعمل زوجها محمد في تجارة البلح، إن حجم رأس المال يختلف من شخص لآخر، موضحة: «ممكن حد يبدأ بمليون جنيه، وده بيكون معاه مبلغ كبير أو بيكون مشارك حد في الموسم ده».
وتضيف أن زوجها بدأ رحلته بشكل أكثر تواضعًا، قائلة: «زوجى عندما بدأ في هذا المجال بدأ بـ100 ألف، وقتها كان معانا سيولة و10 جرام منذ 2020، وكان الجرام بـ700 جنيه، وبالتالى بعناه بمكسب كبير».
وتوضح أن المؤكد تماما في بدايتها، إذ تقول: «لما خلص موسم البلح جابلى ضعف الجرامات اللي أخدها مني، حتى يينا في الاستثمار بالتأكيد ده، وحصلت على ما تقلبات في أسعار الذهب، وقتها وقفنا نبيع الذهب اللي معانا علشان مش هنكون قد خسرت».
وترى أن أرباح تجارة البلح ما زالت جيدة في بعض المواسم، إذ تقول إن «المكسب بيتراوح بين 20 و30%، وممكن يزيد حسب السوق والإقبال على شراء البلح».
لكنه يؤكد أن الموسم الحالي مختلف عن السنوات السابقة، موضحًا: «السنة دي في اليوم اختلفت كثيرًا، أسعار الذهب مش موجودة، وأسعار البلح غالية، والأكبر إن في بله مشكلة كثيرة في المخازن، علشان كده الناس مش هتخاطر وتبيع علشان تجيب بلح، لأنها في النهاية على الأرجح ستظل مش هتتباع كلها ويخسر».
الحسابات تغيّرت
تكشف تجربة أهالي قرية سقارة أن المعدن الأصفر لم يكن يومًا مجرد وسيلة للادخار، بل كان رأس مال يبدأ به موسم البلح وينتهي بزيادة في عدد الجرامات لدى من حالفه التوفيق.
لكن السنوات الأخيرة غيّرت كثيرًا من هذه المعادلة؛ فارتفاع أسعار البلح، والتقلبات المستمرة في أسعار الذهب، ووجود كميات كبيرة من المحصول داخل المخازن، دفعت كثيرين إلى إعادة التفكير في المخاطرة كما كان يحدث في الماضي.
ورغم اختلاف الظروف، لا تزال الفكرة حاضرة داخل القرية، فبين من يفضّل الاحتفاظ بذهبه، ومن يكتفي بالشراكة، ومن يرى أن بيع الذهب يظل السبيل الوحيد لتمويل الموسم، يبقى البلح بالنسبة لكثيرين مصدر الرزق، بينما يظل الذهب بالنسبة لهم وسيلة للوصول إليه، لا غاية في حد ذاته.










