السبت 29 نوفمبر 2025 11:01 صـ 8 جمادى آخر 1447هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب :-الماضي بين الزوجين… حين يطرق ما انتهى أبواب الحاضر

أخبار مصر 2050

في لحظةٍ هادئة، ربما على فنجان قهوة في صباحٍ بدا عاديًا، قد يتسلل الماضي بخفةٍ ويجلس بينكما دون استئذان. كلمة عابرة، موقف بسيط، أو حتى نظرة شاردة كفيلة بأن تفتح بابًا ظننته مغلقًا منذ زمن. هناك شيء غريب في الماضي، لا يشيخ كما نعتقد، بل يختبئ في الزوايا، ينتظر لحظة ضعفٍ ليطلّ برأسه ويذكّرنا بما كنا عليه، لا بما نحن عليه الآن.
ولأن الإنسان لا يعيش من حاضرٍ فقط، بل من ذاكرةٍ ترافقه كظلٍّ لا يغيب، فإن الماضي حين يطرق الأبواب، لا يسأل: “هل أستطيع الدخول؟” بل يدخل بثقةٍ كمن يعرف الطريق جيدًا. وهنا، يبدأ الاختبار الحقيقي للحب والنضج، حين نكتشف هل نحن قادرون على احتواء من نحب بما كان، لا بما نتمنى أن يكون.

في العلاقات الزوجية، لا يوجد ماضٍ يُمحى تمامًا، فكل إنسان يحمل داخله قصة من الفصول التي شكلت شخصيته، وصاغت رؤيته للحب، وجعلته ما هو عليه اليوم. والماضي، مهما حاولنا دفنه، يبقى كظلٍ صامتٍ خلف ظهورنا، لا يختفي لكنه قد يتوارى حين يجد من يضيء الحاضر بنور الطمأنينة.

التعامل مع ماضي الشريك من أكثر القضايا حساسية في الزواج، لأنها تضع القلب والعقل في مواجهةٍ مفتوحة: القلب يريد أن يصدق أن ما مضى انتهى، والعقل يطرح أسئلة لا تنتهي عن التفاصيل، والنية، والصدق. تلك المساحة الدقيقة بين الغيرة والحب، بين الفضول والطمأنينة، هي ما تحدد نضج العلاقة واستقرارها.

كثير من الأزواج يدخلون الزواج وهم يحملون تصورًا مثاليًا عن “البدء من الصفر”، وكأن الماضي صفحة يجب تمزيقها كي تبدأ الحياة الجديدة. لكن الحقيقة أن لا أحد يبدأ من الصفر؛ فكل واحد فينا يدخل بعاداته، بخبراته، بذكرياته، بفرحه وألمه. إنكار هذا الواقع لا يخلق الطمأنينة، بل يؤسس للوهم، والوهم هو أخطر ما يصيب الزواج، لأنه يجعلنا نحاسب الآخر على صورة رسمناها نحن، لا على حقيقته هو.

اقرأ أيضاً

المشكلة لا تكمن في أن للطرف الآخر ماضيًا، بل في كيف نتعامل نحن معه. فهناك من يرى أن الحب يعني التملك الكامل، فيغار من كل ما سبق، حتى من الذكريات البريئة. وهناك من يملك وعيًا أرقى، فيدرك أن الماضي ليس خصمًا يجب محاربته، بل معلمًا يجب احترامه. فكل تجربة، حتى المؤلمة منها، هي التي جعلت من نحب أكثر نضجًا وقدرة على العطاء.

لكن البعض — دون أن يشعر — يُحوّل الماضي إلى “محكمة دائمة” تُستدعى فيها الذكريات كلما اشتعل خلاف، وتُستخدم فيها الأخطاء القديمة كأسلحة للوم أو الانتقام. وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي، لأن الحب لا يعيش في بيئة اتهام، ولا ينمو في ظل خوف دائم من الإدانة.
فالزواج ليس سجلاً قضائيًا يُفتح عند الحاجة، بل عقد أمانٍ روحي بين شخصين اختارا أن يبدآ من جديد.

ومع ذلك، هناك من لا يقوون على النسيان رغم رغبتهم فيه. فالغيرة حين تمتزج بالحب تُصبح سيفًا ذا حدين: تذكي المشاعر أحيانًا، لكنها تجرح العمق في أحيان أخرى. وقد لا تكون المشكلة في الماضي ذاته، بل في غياب الثقة الكاملة بالحاضر. لأن من يثق في مكانته في قلب شريكه لا يخاف من ظلٍّ مضى.

أحيانًا يكون الحديث عن الماضي اختبارًا غير معلن للحب، لكن السؤال هو: هل نريد الحقيقة أم نبحث عن وجع؟ فليس كل ما نعرفه يُسعدنا، وليس كل صراحةٍ مطلقة دليل حب. فهناك صدقٌ يُبنى على الرحمة، وهناك صدقٌ يجرح لأنه بلا وعي ولا حكمة. ومن هنا تأتي أهمية “الوعي العاطفي” بين الزوجين، أي أن يعرف كل طرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يحتضن دون سؤال.

في مجتمعاتنا، نجد كثيرًا من الأزواج يعيشون أسرى لماضي الطرف الآخر، فيراقبون، ويشكّون، ويقارنون أنفسهم بمن سبق، حتى يتحول الحب إلى منافسة خفية. وهذا أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه أحد، لأن المقارنة تقتل الجمال الطبيعي في العلاقة. فالحب لا يُقاس بالماضي، بل باللحظة، ولا يُثبت بالإجابات، بل بالفعل اليومي: بالاهتمام، والاحترام، والأمان.

وفي المقابل، هناك من الأزواج من يملكون صفاءً نادرًا، يرون أن الماضي لا يُلغى، بل يُحتوى. هؤلاء لا يسألون: “ماذا كنت تفعل؟” بل يقولون: “أنا هنا الآن، ولن أسمح لما كان أن يفسد ما هو كائن.” هؤلاء يفهمون أن النضج الحقيقي هو أن تمنح من تحب فرصة أن يبدأ معك من جديد دون أن تُثقل قلبه بما حمله من قبل.

فحين نُحب، نحن لا نبحث عن ملائكة، بل عن بشرٍ نكمل بهم رحلتنا رغم العيوب. والماضي في النهاية ليس جريمة، بل فصل من كتاب الحياة، لا يجوز أن نحكم على شخصٍ من خلاله فقط، لأننا بذلك نحاكمه على زمنٍ لم نكن فيه.
في النهاية، الماضي ليس عدوًّا ينبغي محوه، ولا عبئًا يجب تجاهله، بل تجربة علينا أن نتعامل معها بوعي. فالقلب الذي يحب بصدق يعرف أن لكل إنسان قصة، وأن جمال العلاقة لا يكمن في تجاهل ما كان، بل في خلق ما هو أجمل منه.

من يفهم الحب على حقيقته يدرك أن نضجه يقاس بقدرته على الغفران، لأن المغفرة ليست ضعفًا، بل قمة القوة.
القلب الكبير لا ينسى الماضي، لكنه يُعيد صياغته داخل روحه حتى لا يبقى ندبة، بل يصبح درسًا يزيده حكمة واحتواءً.

فلنجعل الماضي جسرًا نعبر به إلى المستقبل، لا جدارًا نحتمي وراءه، ولنتذكر دائمًا أن الزواج ليس بحثًا عن المثالية، بل عن الطمأنينة، وأن أقصر الطرق نحوها هو الحوار، والثقة، والإيمان بأن من اختارنا اليوم قد اختارنا عن وعي، بعد كل ما مرّ به
إن أكبر امتحان تواجهه أي علاقة زوجية ليست الخلافات التي تنشأ في الحاضر، بل الأشباح التي نُصرّ على استدعائها من الماضي. فالماضي حين يُستعمل كحُكمٍ معلق فوق الرأس، لا يعود ذكرى، بل يتحول إلى قيدٍ يمنع العلاقة من التقدّم خطوة واحدة للأمام. لن ينهار الزواج لأن هناك تاريخًا سابقًا لأحد الطرفين، لكنه ينهار حين يظل هذا التاريخ حاضرًا في كل حديث، ومقترنًا بكل خلاف، ومقاسًا على كل موقف.

القوة الحقيقية ليست في أن نطلب من شريكنا أن يُغيّر ما كان، فالزمن لا يرجع إلى الوراء، بل القوة في أن نمتلك الشجاعة لنحبّه وهو حاصل جمع تجاربه… لا حاصل حذفها. فالشخص الذي أمامك ليس صفحة ناصعة بلا حياة، بل كتابٌ عاش، جُرح، تعلم، وخسر وربح — وهذا تحديدًا ما يجعله قادرًا اليوم أن يحبك بطريقة مختلفة عمن سبق.

الناضجون يفهمون أن الماضي لا يُهدد الزواج إلا حين يكون الحاضر ضعيفًا. فالقلب الممتلئ بالأمان لا يطارد أطلال الزمن، ولا يقارن نفسه بأشباح انتهت، لأنه يدرك أن قيمته تُقاس بما يزرعه الآن، لا بما سبقه أحد غيره إليه. وعلى العكس، حين يغيب الأمان، يصبح الماضي وقودًا جاهزًا للاشتعال في كل لحظة، فتتحول الحياة المشتركة إلى ساحة دفاع واتهام بدل أن تكون سكنا و رحمة

مقابلات اخبار

مواقيت الصلاة

السبت 11:01 صـ
8 جمادى آخر 1447 هـ 29 نوفمبر 2025 م
مصر
الفجر 05:00
الشروق 06:32
الظهر 11:43
العصر 14:36
المغرب 16:55
العشاء 18:17