الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 11:04 صـ 15 جمادى أول 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

أشرف محمدين يكتب : « الكرة الذهبية - هل يفوز الأفضل دائمًا؟»

أخبار مصر 2050

ليست كل جائزة دليلًا قاطعًا على أن صاحبها هو الأفضل، وليست كل خسارة اعترافًا بأن من خسرها أقل موهبة أو قيمة. وبين الحقيقة الفنية والحكم النهائي مسافة قد تتسع أحيانًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجائزة بحجم الكرة الذهبية، التي تحولت عبر تاريخها إلى أكثر من مجرد تكريم للاعب قدم موسمًا استثنائيًا؛ أصبحت معركة تتداخل فيها الأرقام والبطولات والنجومية والانطباعات، وتتصادم حولها وجهات النظر.

والسؤال الذي يستحق أن نطرحه بموضوعية: هل يفوز الأفضل دائمًا بالكرة الذهبية، أم أن هناك عوامل أخرى قد ترجح كفة لاعب على حساب آخر، حتى لو بدا التفوق الفني واضحًا في نظر قطاع من المتابعين؟

من الناحية النظرية، يفترض أن تذهب الجائزة إلى اللاعب الذي قدم أفضل أداء خلال الفترة محل التقييم، وأسهم بصورة مؤثرة في نجاح فريقه، وأظهر من التميز والاستمرارية ما يجعله جديرًا بالتقدير. لكن كرة القدم ليست معادلة حسابية يمكن أن نجمع فيها الأهداف والتمريرات الحاسمة والبطولات، ثم نخرج بنتيجة لا تقبل الاختلاف. فهناك لاعب يصنع الفارق بأهدافه، وآخر يفرض سيطرته على إيقاع اللعب، وثالث يمنح فريقه التوازن الذي لا تظهر أهميته دائمًا في الأرقام، ورابع تتجاوز قيمته الفردية حدود الإحصاءات التقليدية.

وهنا تبدأ المعضلة؛ لأن المقارنة بين لاعبين يؤديان دورين مختلفين ليست أمرًا سهلًا، كما أن تقييم المهاجم الذي يحسم المباريات لا ينبغي أن يكون مطابقًا بالضرورة لتقييم لاعب الوسط الذي يصنع إيقاعها، أو المدافع الذي يمنع الأهداف قبل أن تتحول إلى أزمات.

لكن هل تكفي المعايير الفنية وحدها لحسم السباق؟

الحقيقة أن هناك عوامل أخرى يمكن أن تؤثر في اتجاه التصويت، من بينها البطولات الكبرى، واللحظات الحاسمة، وحجم التأثير في نجاح الفريق، والاستمرارية على مدار الموسم، فضلًا عن الانطباع العام الذي يتركه اللاعب لدى المصوّتين. وقد تمنح بطولة كبرى لاعبًا دفعة استثنائية، بينما تؤثر نتائج فريقه في فرصه، حتى إن كان مستواه الفردي يستحق تقديرًا أكبر.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود حسابات خفية أو تلاعب بالنتائج، فهناك فرق بين اختلاف المعايير وتباين وجهات النظر من جهة، وادعاء غياب النزاهة من جهة أخرى. لكن من حق المتابع أن يسأل عن وضوح المعايير واتساق تطبيقها، خصوصًا عندما تتغير طريقة المفاضلة من عام إلى آخر، أو عندما يبدو أن الإنجاز الجماعي يتقدم على التفوق الفردي في حالة، بينما يتقدم الأداء الفردي في حالة أخرى.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين اللاعب الأكثر موهبة، واللاعب الأفضل خلال موسم بعينه، واللاعب الأكثر تأثيرًا في تحقيق البطولات. فقد تجتمع هذه الصفات في لاعب واحد، وعندها يصبح اختياره منطقيًا إلى حد كبير، وقد تتوزع بين أكثر من لاعب، فتتحول الجائزة إلى مساحة للاختلاف المشروع.

ولعل أسماء بحجم ميسي ومبابي ورودري ويامين يامال تذكّرنا بأن لكل لاعب قصته الخاصة، وأن المقارنة بينهم لا تستقيم بمجرد النظر إلى شهرة الاسم أو حجم الموهبة. فالتاريخ والإنجازات السابقة لا ينبغي أن يكونا ضمانًا دائمًا للفوز، كما أن صغر السن أو الضجيج الإعلامي لا ينبغي أن يمنحا لاعبًا أفضلية تلقائية. المعيار الحقيقي هو ما قدمه كل لاعب في الفترة محل التقييم، ومدى تأثيره في فريقه، وقدرته على تحويل إمكاناته إلى إنجاز ملموس.

فالكرة الذهبية ليست مسابقة لاختيار اللاعب الأكثر شعبية، ولا ينبغي أن تكون مكافأة تُمنح لمجرد أن صاحبها يمتلك تاريخًا عظيمًا، بل يفترض أن تعكس تقييمًا موضوعيًا قدر الإمكان لما قدمه اللاعب خلال الموسم. ومع ذلك، تظل الجائزة في النهاية نتيجة تصويت بشري تحكمه معايير محددة، وتؤثر فيه وجهات نظر مختلفة؛ ولذلك قد لا تتطابق النتيجة النهائية دائمًا مع قناعة جميع المتابعين.

والمشكلة ليست في أن يختلف الناس حول الفائز، فالاختلاف جزء أصيل من جمال كرة القدم، وإنما في أن تتحول الجائزة إلى حكم نهائي على قيمة اللاعبين، وكأن من فاز بها أصبح الأفضل في كل شيء، ومن لم يفز بها أصبح أقل شأنًا. فالتاريخ لا تصنعه جائزة واحدة، والموهبة لا تختصرها منصة تتويج، وقيمة اللاعب الحقيقية تتشكل عبر سنوات من العطاء والتأثير والإنجاز.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نريد الكرة الذهبية جائزة تعكس أفضل لاعب وفق معايير واضحة وثابتة قدر الإمكان، أم أنها ستظل مزيجًا من التفوق الفني والإنجاز الجماعي والانطباع العام؟

ربما لا توجد إجابة تحسم كل خلاف، لكن المؤكد أن احترام الجائزة لا يعني تقديس نتائجها، وأن احترام الفائز لا يفرض علينا الاتفاق مع اختياره. فمن حقنا أن نناقش، وأن نختلف، وأن نطالب بمعايير أكثر وضوحًا، دون أن ننتقص من لاعب أو نصنع من لاعب آخر أسطورة لمجرد أنه نال التكريم.

فالذهب لا يصنع قيمة صاحبه من العدم، والجائزة لا تمنح اللاعب عظمته بقدر ما تحاول أن تعترف بها. ويبقى السؤال الذي لا يفقد أهميته مع كل موسم جديد: هل نمنح الكرة الذهبية لمن كان الأفضل فعلًا، أم لمن اجتمعت له الظروف والمعايير التي جعلته الاختيار الأرجح

اشرف محمدين المقالات
⇧

مواقيت الصلاة

الثلاثاء 11:04 صـ
15 جمادى أول 1448 هـ 27 أكتوبر 2026 م
مصر
الفجر 04:37
الشروق 06:05
الظهر 11:39
العصر 14:49
المغرب 17:13
العشاء 18:31