السبت 31 أكتوبر 2026 11:40 صـ 19 جمادى أول 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب : « الرحيل - ليس جريمة»

أخبار مصر 2050

الفشل في الحب ليس جريمة، الجريمة الحقيقية الاستمرار في حب فاشل - فليس كل ما نحبه كُتب له أن يبقى، وليس كل قلبين التقيا كان مقدرًا لهما أن يكملا الطريق معًا. نحن ندخل الحب غالبًا بأجمل ما فينا، نمنح ثقتنا، ونفتح أبوابًا ظلت مغلقة طويلًا، ونصدق أن هذا اللقاء قد يكون الاستثناء الذي انتظرناه، ثم تأتي الأيام لتكشف لنا أن النوايا الجميلة وحدها لا تصنع علاقة ناجحة، وأن الحب مهما كان صادقًا لا يستطيع وحده أن يهزم اختلاف الطباع، وتناقض الاحتياجات، وغياب الأمان، وتكرار الخذلان.

ولذلك فإن أن تفشل في الحب ليس عيبًا، فالإنسان لا يتعلم دائمًا من البدايات، وإنما يتعلم كثيرًا من النهايات. وربما كان بعض الحب الذي لم يكتمل ضروريًا لكي نعرف أنفسنا أكثر، ونكتشف حدود قدرتنا على العطاء، ونعرف الفرق بين من يحب وجودنا ومن يحب ما نقدمه له، وبين من يريد أن يشاركنا الحياة ومن يريد فقط أن يستمتع بوجودنا فيها.

لكن المأساة الحقيقية لا تبدأ عندما يفشل الحب، وإنما عندما نفشل نحن في الاعتراف بفشله. عندما نعرف أن العلاقة لم تعد تمنحنا إلا الألم، ومع ذلك نتمسك بها خوفًا من الوحدة، أو خوفًا من كلام الناس، أو خوفًا من أن نعترف لأنفسنا بأن كل ما بذلناه لم يصل إلى النهاية التي تمنيناها. عندها لا يعود الإنسان متمسكًا بالحب، وإنما يصبح متمسكًا بفكرة الحب، وبالسنوات التي دفعها ثمنًا له، وكأنه يخشى أن يكون الرحيل اعترافًا بأن كل ذلك الوقت كان ضائعًا.

وهنا يقع الإنسان في واحدة من أكثر الخدع قسوة؛ أن يظن أن طول البقاء دليل على عمق الحب، مع أن بعض العلاقات لا تطول لأنها قوية، وإنما لأن أحد طرفيها لا يملك شجاعة النهاية. فالاستمرار ليس فضيلة في ذاته، كما أن الرحيل ليس خيانة في ذاته. القيمة الحقيقية ليست في أن تبقى أو ترحل، وإنما في أن تعرف متى يكون بقاؤك وفاءً، ومتى يتحول إلى ظلم لنفسك، ومتى يكون الرحيل هروبًا، ومتى يصبح احترامًا لما تبقى منك.

هناك لحظة في بعض العلاقات يصل فيها الإنسان إلى حقيقة مؤلمة: أنه لم يعد يحاول إنقاذ الحب، وإنما يحاول إنقاذ الصورة التي رسمها له في خياله. يظل متعلقًا بإنسان كانه في البداية، لا بالإنسان الذي أصبح عليه الآن، ويظل يعيش على ذكريات لحظات جميلة، وكأن الماضي يمكنه أن يبرر حاضرًا لم يعد يشبهه. وهنا يصبح الحنين واحدًا من أكثر الأشياء قدرة على تضليل القلب؛ لأنه لا يستدعي الحقيقة كاملة، وإنما يستدعي منها ما يجعلنا نشتاق، ويحذف منها ما جعلنا نتألم.

ولهذا فإن بعض الناس لا يعودون إلى من يحبون، وإنما يعودون إلى نسخة قديمة منهم، إلى أيام كانوا فيها أكثر سعادة، أو أكثر احتياجًا، أو أقل وعيًا بحقيقة العلاقة. يظنون أنهم يشتاقون إلى شخص، بينما هم في الحقيقة يشتاقون إلى شعور قديم عاشوه معه. والفرق بين الاثنين كبير؛ لأن الشعور قد يعود في الذاكرة، أما الإنسان والعلاقة فقد يكونان قد تغيرا إلى الأبد.

والحب الناضج لا يعني أن نتمسك إلى النهاية مهما كانت النهاية مؤلمة، بل يعني أن نمتلك القدرة على رؤية الحقيقة دون أن نسمح لعاطفتنا بأن تزيفها. أن نعترف بأن بعض الأبواب الجميلة لا تصلح أن تظل مفتوحة، وأن بعض الأشخاص قد نحبهم بصدق، لكننا لا نستطيع أن نكمل معهم الطريق. فليس كل من أحببناه يصلح أن يكون شريك حياتنا، وليس كل من أسعدنا في مرحلة يصلح أن يستمر معنا في كل المراحل.

وأحيانًا يكون أقسى ما في الرحيل أنك لا ترحل لأنك لم تعد تحب، وإنما ترحل لأنك أدركت أن الحب وحده لم يعد كافيًا. وهذه ربما واحدة من أكثر الحقائق نضجًا وإيلامًا في العلاقات الإنسانية؛ أن تحب شخصًا، ومع ذلك تعرف أن وجودك معه لم يعد صالحًا لك، وأن استمرار العلاقة قد يحول أجمل ما كان بينكما إلى مرارة لا تنتهي.

لذلك لا ينبغي أن نسأل دائمًا: من المخطئ ومن المصيب؟ فقد تكون هناك علاقات لا يوجد فيها شرير واضح، وإنما يوجد اختلاف لم يستطع الحب أن يتغلب عليه. وقد يكون الطرفان صادقين، لكنهما غير قادرين على منح بعضهما ما يحتاجه الآخر. وقد يحب أحدهما الآخر فعلًا، لكنه لا يعرف كيف يحبه بالطريقة التي يحتاجها. فالحب ليس مجرد شعور، وإنما مسؤولية، والحياة المشتركة ليست قصيدة جميلة، وإنما تفاصيل يومية تحتاج إلى احترام وصبر وأمان واحتواء وقدرة على التنازل دون أن يفقد الإنسان كرامته.

وأخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه أن يحول التضحية إلى عادة، وأن يقنع نفسه بأن تحمل الألم دليل على الحب. فهناك فرق بين أن تتحمل من أجل من تحب، وبين أن تتألم لأنك تخاف أن تخسره. الأول قد يكون حبًا، أما الثاني فقد يكون خوفًا متنكرًا في صورة الحب.

وعندما يصبح الإنسان مضطرًا كل يوم إلى إقناع نفسه بأن الغد سيكون مختلفًا، بينما الأمس يتكرر بالحكاية نفسها، فإنه لا يعيش على الأمل، وإنما يعيش على التأجيل. والتأجيل في العلاقات قد يكون أكثر قسوة من النهاية؛ لأن النهاية تؤلم مرة، أما العلاقة التي فقدت معناها فتؤلم الإنسان كل يوم، وتجعله يعيش بين ما يتمنى أن يكون وما يعرف في داخله أنه لن يكون.

ولهذا فإن الرحيل أحيانًا لا يكون قرارًا ضد الحب، بل قرارًا ضد الاستنزاف. ليس معناه أنك لم تعد تملك مشاعر، وإنما أنك أدركت أن احترام نفسك يجب ألا يكون الثمن الذي تدفعه لكي تبقى في علاقة. فالإنسان الذي يفقد نفسه وهو يحاول ألا يفقد شخصًا آخر، قد يكتشف بعد سنوات أن أكثر ما كان يحتاج إلى إنقاذه لم يكن العلاقة، وإنما نفسه.

ومن النضج أن تعرف أن نهاية العلاقة لا تعني بالضرورة أن كل ما كان فيها كذب. يمكن أن يكون الحب حقيقيًا، والذكريات حقيقية، والضحكات حقيقية، واللحظات الجميلة حقيقية، ثم تنتهي العلاقة رغم ذلك. فليس كل شيء جميل مقدرًا له أن يستمر، كما أن انتهاء الشيء لا يلغي قيمته في الزمن الذي عاشه. بعض الأشخاص كانوا فصلًا جميلًا في حياتنا، لكنهم لم يكونوا الكتاب كله، وبعض العلاقات كانت صادقة في بدايتها، لكنها لم تكن قادرة على الوصول إلى نهايتها.

ولهذا لا تجعل فشل علاقة واحدة يجعلك تشك في قدرتك على الحب، ولا تجعل رحيل شخص يجعلك تعتقد أنك فقدت قيمتك. فالذي لم يستطع أن يستمر معك ليس بالضرورة دليلًا على أنك لم تكن جديرًا بالاستمرار، كما أن انتهاء علاقة لا يعني انتهاء قدرتك على أن تحب وأن تُحَب. ربما تكون بعض النهايات هي الطريقة التي تفتح بها الحياة أمامنا بابًا لم نكن نراه لأننا كنا مشغولين بالنظر إلى باب أغلق.

والإنسان الحكيم ليس من لا يفشل في الحب، وإنما من يعرف ماذا يفعل بعد الفشل

اشرف محمدين المقالات
⇧

مواقيت الصلاة

السبت 11:40 صـ
19 جمادى أول 1448 هـ 31 أكتوبر 2026 م
مصر
الفجر 04:40
الشروق 06:08
الظهر 11:39
العصر 14:46
المغرب 17:09
العشاء 18:28