اشرف محمدين يكتب:-من اعتاد تجاوز أوجاعه بمفرده… لن يكسره الرحيل
ليس كل من يبتسم بخير، وليس كل من يمضي في حياته بثبات لم يعرف الوجع. فبعض الناس لا يتقنون الشكوى، ولا يجيدون عرض جراحهم على الملأ، بل تعلّموا مع الوقت أن يداووا أنفسهم بصمت، وأن يعبروا أصعب لحظاتهم دون أن يلاحظ أحد أنهم كانوا يومًا على حافة الانكسار.
هناك نوع من البشر لا يعتاد الاتكاء على الآخرين، ليس تكبرًا ولا تعاليًا، بل لأن الحياة علّمته مبكرًا أن بعض الأوجاع لا يفهمها أحد، وأن بعض المعارك تُخاض في الداخل، حيث لا يسمع الصوت ولا تُرى الدمعة. هؤلاء الذين مرّوا بمحطات كثيرة من الخذلان، وربما انتظروا طويلًا يدًا تمتد إليهم فلم تأتِ، فاكتشفوا أن أقصر الطرق للنجاة هو أن يصبح الإنسان سند نفسه.
مع الوقت، يتحول الصبر من خيار إلى طبيعة، ويصبح الصمت لغة، وتتحول القدرة على تجاوز الألم إلى مهارة خفية لا يلاحظها أحد. لا يعني ذلك أنهم لا يتألمون، بل على العكس، ربما يشعرون بالأشياء بعمق أكبر من غيرهم، لكنهم تعلّموا ألا يجعلوا ألمهم شرطًا ليستمر العالم في الدوران من حولهم.
من اعتاد تضميد جراحه بنفسه، يعرف أن الرحيل ليس النهاية، وأن غياب الأشخاص لا يعني انهيار الحياة. فقد جرّب من قبل أن تسقط أشياء كثيرة كان يظنها أساسية، ثم اكتشف بعد ذلك أن الحياة ما زالت قادرة على الاستمرار، وأن القلب الذي كُسر يومًا يستطيع أن يلتئم، ربما ببطء… لكنه يلتئم.
اقرأ أيضاً
التحريات تكشف تفاصيل تورط شقيق رنا رئيس بحيازة سلاح أبيض ومخدرات بأكتوبر
المستشارة أمل عمار تلقي كلمة جمهورية مصر العربية أمام CSW70 وتستعرض جهود الدولة في حماية حقوق المرأة وتعزيز العدالة
مقتل المشتبه به فى حادث دهس وإطلاق النار قرب معبد يهودى بولاية ميشيجان
عاجل- مجتبى خامنئي: سنواصل استهداف القواعد الأمريكية ومضيق هرمز يجب أن يبقى مغلقًا
مع تصاعد أزمة الطاقة.. إيران تكثف هجماتها على الموانئ وناقلات النفط في الخليج
قرار مهم من وزير التموين بشأن أسعار الخبز السياحي والفينو بعد ارتفاع المحروقات
4 فوائد لرياضة التنس لأطفال التوحد.. مسلسل اللون الأزرق سلط الضوء عليها
هل ستتأثر أسعار الخضراوات والفاكهة بزيادة البنزين؟
الخارجية الإيرانية تؤكد إصابة المرشد الجديد مجتبى خامنئي
تصاعد حرب إيران يعمق اضطرابات السفر وحركة الطيران حول العالم
الرئيس السيسى يؤكد استعداد القاهرة لتقديم المساعدات الإغاثية اللازمة للبنان
إسرائيل تعلن اغتيال قائد قوة وحدة ”نصر” فى حزب الله
وهؤلاء تحديدًا لا يخافون كثيرًا من الرحيل، لأنهم أدركوا أن الخسارة جزء من الحكاية، وأن الناس قد يأتون ويذهبون، لكن الإنسان إذا عرف كيف يقف وحده فلن تسقط حياته لمجرد أن أحدهم اختار المغادرة.
الغريب أن الذين اعتادوا مواجهة أوجاعهم وحدهم لا يصبحون قساة كما يظن البعض، بل يصبحون أكثر فهمًا للآخرين، وأكثر رحمة بالضعف الإنساني. لأن من عرف الألم عن قرب لا يستخف بوجع غيره، ومن عاش لحظات العتمة وحده يعرف جيدًا قيمة الضوء عندما يظهر.
ولهذا فإن قوة هؤلاء لا تكمن في أنهم لا ينكسرون، بل في أنهم تعلّموا كيف ينهضون بعد كل انكسار. يعرفون أن الحزن مرحلة، وأن الوجع عابر مهما طال، وأن الإنسان يمكنه دائمًا أن يبدأ من جديد حتى لو فقد الكثير في الطريق.
إن الذين اعتادوا تجاوز أوجاعهم بمفردهم لا يصبحون بلا احتياج للناس، فهم بشر في النهاية، لكنهم فقط لا يجعلون وجود الآخرين شرطًا لبقائهم واقفين. هم يقدّرون من يبقى، ويعرفون قيمة من يختار البقاء بصدق، لكنهم في الوقت نفسه لا ينهارون إذا قرر أحدهم الرحيل.
فالحياة علمتهم درسًا قاسيًا لكنه ثمين: أن القوة الحقيقية لا تعني أن لا نتألم، بل أن نعرف كيف نعيش رغم الألم، وأن نمضي في الطريق حتى عندما لا يسير معنا أحد. وفي النهاية، ليس الأقوى هو من لم يعرف الألم، بل من تعلّم أن يعبره دون أن يفقد نفسه. فالإنسان الذي اعتاد أن يجمع شتات قلبه وحده، وأن ينهض من عثراته دون ضجيج، لا يصبح الرحيل بالنسبة له كارثة كما يظن البعض، بل مجرد صفحة تُطوى في كتاب طويل اسمه الحياة. لقد أدرك مبكرًا أن الناس ليسوا دائمين، وأن القلوب قد تتبدل، وأن الأمان الحقيقي لا يُبنى على وجود أحد بقدر ما يُبنى على سلام داخلي يخلقه الإنسان في أعماقه. ولهذا فإن من تعوّد أن يضمد جراحه بصمت، وأن يواصل الطريق رغم ثقل الأيام، يصبح مع الوقت أصلب من أن يكسره الغياب، وأهدأ من أن تهزه الخسارات، لأنه ببساطة تعلّم الدرس الأصعب في الحياة: أن من استطاع النجاة بنفسه مرة… سيعرف دائمًا كيف ينجو










