اشرف محمدين يكتب:-من اعتاد أن يتجاوز أحزانه بمفرده - لن يُرهقه رحيل أحد
هناك بشرٌ لا تُخيفهم الوحدة…
ليس لأنهم لا يُحبّون، ولا لأن قلوبهم من حجر، بل لأن الحياة درّبتهم طويلًا على أن يحملوا أوجاعهم في صمت، وأن يُرمّموا شروخ أرواحهم بأيديهم، دون انتظار كتفٍ يربّت، أو يدٍ تمتد، أو صوتٍ يقول لهم: “أنا معك”.
هؤلاء الذين اعتادوا أن يبتلعوا حزنهم كل ليلة، ثم يخرجوا للناس في الصباح بكامل هدوئهم واتزانهم، لا يصبح الرحيل بالنسبة لهم كارثة كما يظن البعض… بل مجرد وجعٍ إضافي تعلّموا كيف يتعايشون معه مثل غيره من الأوجاع القديمة التي سكنت أرواحهم منذ سنوات.
فالإنسان حين يعتاد النجاة وحده، يصبح أكثر صلابة مما يبدو، وأكثر تعبًا مما يعترف، وأكثر احتياجًا للحب الحقيقي مما يتخيل الآخرون… لكنه في الوقت ذاته، يصبح أقل خوفًا من الفقد، لأنه ذاق أصعب أنواع الوحدة بالفعل؛ تلك الوحدة التي تكون فيها محاطًا بالبشر، بينما تخوض معاركك الداخلية وحدك تمامًا.
وهناك فرقٌ كبير بين شخصٍ يرحل عنه الناس فينهار، وآخر تعوّد منذ البداية ألا يُحمّل أحدًا مسؤولية إنقاذه… لأن الذي اعتاد أن يُضمد جراحه بنفسه، يعرف جيدًا أن البشر قد يبقون وقد يرحلون، أما هو فلا يملك رفاهية السقوط كل مرة.
اقرأ أيضاً
اشرف محمدين يكتب : «الرحيل - ليس دائمًا كُرها - قد يكون وجعا »
اشرف محمدين يكتب:-لإسماعيلي - الصراعات هزمت التاريخ
اشرف محمدين يكتب:-التصالح مع النفس - حين يصبح العمر مجرد رقم
اشرف محمدين يكتب:-حين تتحول الزلازل إلى لغة… اتحاد الكرة بين كشف المستور وصناعة الأزمات
اشرف محمدين يكتب: «تجربتي مع الموت - بين العناية المركزة و العناية الإلهية»
منال منير تكتب : « عصر الشغل الذكي كيف يتحول ChatGPT من مجرد شاشة دردشة إلى شريك أرباحك في المنزل؟»
اشرف محمدين يكتب:-الفوز لا يُخدّر الوعي - والأهلي أكبر من مجرد انتصار
منال منير تكتب « صناعة الكورسات الرقمية بين المتعة التعليمية والتسويق المبالغ فيه»
منال منير تكتب « صناعة الكورسات الرقمية بين المتعة التعليمية والتسويق المبالغ فيه»
اشرف محمدين يكتب:-الإنسان لا يُقاس بجنسه - بل بالفعل الذي يتركه خلفه .
اشرف محمدين يكتب:-حين يسقط الكبار… لا يكون السقوط في النتيجة فقط، بل في التفاصيل التي سبقتها
د. أحمد الشربيني يكتب : « الزرار بيشتكي من الضغط بلا استجابة »
ولذلك تراهم غالبًا هادئين بعد الرحيل بصورة تُربك الآخرين… لا يركضون خلف أحد، لا يتوسلون البقاء، لا يصرخون كثيرًا، ليس لأن الرحيل لم يؤلمهم، بل لأنهم تعبوا من شرح ألمهم للناس، فاكتفوا بالصمت، وأدركوا أن بعض المعارك النفسية لا يفهمها إلا من عاشها.
ومع الوقت، يتحول الاعتماد على النفس عاطفيًا إلى عادة قاسية… عادة تجعل الإنسان قويًا أمام الجميع، لكنه في داخله يتمنى — ولو مرة واحدة — أن يجد شخصًا لا يُجبره على التظاهر بالقوة طوال الوقت، شخصًا يشعر معه أن قلبه ليس في حالة حرب دائمة مع الحياة.
فالذين يعتادون تجاوز أحزانهم بمفردهم، لا يصبحون بلا مشاعر… بل يصبحون أكثر حذرًا في منحها، وأكثر خوفًا من التعلق، لأنهم يعرفون جيدًا كم يكلفهم ترميم أنفسهم بعد كل خيبة، وكم يبدو الأمر مرهقًا حين تضطر كل مرة أن تُنقذ قلبك بنفسك بينما الجميع يظن أنك بخير.
أقسى ما قد تفعله الحياة بالإنسان، ليس أن تجعله قويًا… بل أن تجعله معتادًا على تجاوز كل شيء وحده، حتى يصبح الرحيل أمرًا عاديًا، ويصبح الحزن مألوفًا، ويصبح الصمت لغةً أساسية لقلبٍ كان يومًا يتمنى فقط أن يجد من يبقى… لا من يرحل…
أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه، أنه حين يعتاد النجاة وحده، يبدأ تدريجيًا في إغلاق أبواب قلبه دون أن يشعر، لا كرهًا لأحد، بل خوفًا من تلك اللحظة التي ينهار فيها مجددًا ويجد نفسه وحيدًا ككل مرة.
فيتحول الصمت إلى ملجأ، واللامبالاة إلى وسيلة دفاع، والرحيل إلى أمرٍ متوقع لا يُفاجئه كثيرًا… حتى يصبح أقصى طموحه العاطفي ليس الحب، بل الأمان؛ أن يجد شخصًا لا يُجبره كل يوم على خوض معركة التحمّل وحده.
وفي النهاية
فإن الذين تجاوزوا أحزانهم بمفردهم ليسوا الأقوى كما يظن الناس، بل هم الأكثر إرهاقًا من الداخل، لأن القلب الذي تعلّم أن يداوي نفسه بنفسه، قد ينجو دائمًا… لكنه لا ينسى أبدًا كم كان يتمنى — ولو لمرة واحدة — أن يجد يدًا حقيقية تُمسك به قبل أن يسقط










