الثلاثاء 12 مايو 2026 11:25 صـ 25 ذو القعدة 1447هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب:-حين تتحول الزلازل إلى لغة… اتحاد الكرة بين كشف المستور وصناعة الأزمات

أخبار مصر 2050

ليس كل زلزال يُقاس بدرجة اهتزازه على مقياس ريختر… فبعض الزلازل لا تُحرّك الأرض بقدر ما تُحرّك ما كان ساكنًا في العقول، وتزيح الستار عن مشاهد ظلت طويلًا حبيسة المجاملات والصمت، وحين خرج إبراهيم نور الدين عن صمته، لم يكن يُدلي بتصريحات عابرة، بل كان يُلقي بقذائف مدوية داخل جدران الجبلاية، قذائف لم تكتفِ بإثارة الجدل، بل فتحت أبوابًا مغلقة منذ سنوات، وكشفت عن كواليس تُدار بعيدًا عن أعين من يُفترض أنهم أصحاب اللعبة الحقيقيون.

فحين يُطرح سؤال بحجم: كيف يُستقدم خبير أجنبي تحوم حوله شبهات أخلاقية دون توضيح للرأي العام؟ فنحن هنا لا نتحدث عن قرار فني بقدر ما نتحدث عن أزمة معايير، وحين تتحول هذه الأسئلة إلى صدى يتردد داخل الشارع الرياضي، ندرك أن الأمر لم يعد مجرد “اختيار خاطئ”، بل أصبح انعكاسًا لطريقة إدارة كاملة تفتقد للشفافية، وتتعامل مع الرأي العام باعتباره آخر من يحق له أن يفهم.

ثم تأتي القذيفة الثانية، حين يُوضع اسم مثل أحمد مجاهد في قلب المشهد، ليس بوصفه مسؤولًا سابقًا، بل بوصفه – وفقًا للاتهامات – لاعبًا حاضرًا في كل التفاصيل من خلف الستار، محركًا لخيوط اللعبة، متحكمًا في مفاصلها الدقيقة، من تعيينات الحكام إلى إدارة المسابقات، وهنا لا تعود المشكلة في شخص بقدر ما تكمن في فكرة “الإدارة من الظل”، تلك الفكرة التي تُفرغ المناصب الرسمية من مضمونها، وتحولها إلى واجهات، بينما تُدار القرارات الحقيقية في غرف مغلقة لا يدخلها الضوء.

وعند هذه النقطة، لم يعد غريبًا أن نفهم كيف تختفي خطابات مصيرية، وكيف تتبخر مستندات في توقيتات حرجة، وكيف تتحول “الأدراج” من أماكن لحفظ الأوراق إلى مساحات لابتلاع الحقيقة، في مشهد يبدو أقرب إلى إدارة تُجيد الإخفاء أكثر مما تُتقن المواجهة، وتُفضل السيطرة الصامتة على المكاشفة الصريحة.

اقرأ أيضاً

لكن الصورة لا تكتمل دون زلزال آخر، ربما بدا أقل صخبًا في ظاهره، لكنه أكثر عمقًا في جوهره، حين خرج خالد بيومي بتصريحات بدت كأنها حجر أُلقي في مياه راكدة، لتكشف عن سؤال أخطر من كل ما سبق: هل أصبح المقعد داخل اتحاد الكرة مجرد وسيلة للعبور إلى مراكز النفوذ في الاتحاد الأفريقي لكرة القدم والاتحاد الدولي لكرة القدم؟ وهل تحوّل البقاء في هذا المقعد من وسيلة لخدمة اللعبة… إلى غاية في حد ذاته؟

هنا نحن لا نحاكم نوايا، بل نقرأ نتائج، ولا نتوقف عند أسماء، بل نحاول فهم منظومة، منظومة يبدو فيها التداخل بين المحلي والدولي شديد التعقيد، لدرجة أن أي محاولة للإصلاح قد تُقرأ كتهديد لمواقع خارجية، فيصبح القرار أسيرًا لهاجس “الاستمرار”، لا مدفوعًا برؤية “التطوير”، وكأن الكرة المصرية تحولت إلى معادلة توازنات، لا مشروع بناء.

وإذا نظرنا إلى الواقع دون رتوش، سنجد أن ما يحدث داخل الملعب وخارجه ليس إلا انعكاسًا طبيعيًا لهذه الفلسفة، دوري لا يعكس قيمة بلد بحجم مصر، تحكيم يتحول أسبوعيًا إلى بطل أزمة جديدة، بنية تحتية متذبذبة، وتسويق لم يصل بعد إلى نصف ما يستحقه هذا السوق، وكلها ليست تفاصيل منفصلة، بل أجزاء من لوحة واحدة عنوانها: غياب الرؤية.

وهنا نصل إلى أخطر ما في المشهد… ليس فقط ما كُشف، بل ما تعوّدنا عليه، لأن الأزمة لم تعد في واقعة بعينها، بل في نمط يتكرر، في عقلية لا تُدير الأزمات بقدر ما تُعيد إنتاجها، قرارات تُتخذ دون حساب دقيق، ثم يتم التراجع عنها تحت الضغط، ملفات تُفتح بلا توقيت، وتُغلق بلا إجابات، فيتحول اتحاد الكرة من جهة يُفترض أن تكون صمام أمان… إلى أحد أبرز مصادر القلق داخل المنظومة.

والخطورة الحقيقية ليست في الفشل في الحل… بل في الاعتياد على الأزمة، في أن يصبح الارتباك هو القاعدة، والاستقرار هو الاستثناء، في أن تُدار كرة القدم بعقلية “البقاء في الكرسي” لا “بناء المنظومة”، لأن ما يُدار بهذه الطريقة لا يمكن أن يُنتج نجاحًا مستدامًا، بل يُنتج أزمات متلاحقة… كل واحدة منها تُخفي التي قبلها، وتُمهّد لما بعدها.

وفي النهاية، لم يعد السؤال: من أخطأ؟
بل أصبح: كيف نُدير اللعبة أصلًا؟
هل نريد اتحادًا يُتقن الهروب من الأزمات… أم مؤسسة تمنع حدوثها من الأساس؟
هل نبحث عن وجوه تبقى… أم عن نظام ينجح حتى لو تغيّرت الوجوه؟

لأن الفرق بين الاثنين… ليس مجرد تفصيلة إدارية،
بل هو الفارق بين كرة تُدار… وكرة تُبنى،
وبين منظومة تُخفي الحقيقة… وأخرى تملك شجاعة مواجهتها وفي لحظة صدق نادرة… يجب أن نعترف أن الأزمة لم تعد في قرار خاطئ هنا أو واقعة مثيرة هناك، بل في عقلٍ اعتاد أن يُدير المشهد بمنطق “تمرير الوقت” لا “صناعة المستقبل”، عقلٍ يرى في كل أزمة اختبارًا لكيفية النجاة منها… لا فرصةً لتصحيح ما أوجدها من الأساس، وكأن البقاء أصبح إنجازًا، حتى لو كان الثمن هو تآكل المعنى الحقيقي لكرة القدم.

فالأزمات في كرة القدم المصرية لم تعد طارئة… بل أصبحت جزءًا من بنيتها، تتكرر بنفس السيناريو، بنفس الارتباك، بنفس النهايات المفتوحة، حتى فقدت الدهشة، وفقد معها الجمهور ثقته، لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي منظومة… ليس أن تُخطئ، بل أن تُخطئ بنفس الطريقة كل مرة، ثم تتصرف وكأن شيئًا لم يكن.

وحين تصل الأمور إلى هذا الحد، لا يصبح الإصلاح قرارًا… بل مواجهة، مواجهة مع منظومة اعتادت الظل، واطمأنت لفكرة أن الحقيقة يمكن تأجيلها، وأن الأسئلة يمكن إغراقها في التفاصيل، وأن الزمن كفيل بإسكات كل شيء… بينما الحقيقة أن ما يُؤجل لا يختفي، بل يتراكم، حتى يتحول إلى عبء لا يمكن احتماله.

لهذا، لم يعد التحدي الحقيقي هو كشف ما يحدث… فقد كُشف الكثير،
ولم يعد السؤال من يدير… بل كيف تُدار الأمور أصلًا،
ولم تعد الأزمة في الأشخاص… بل في فلسفة كاملة إن لم تتغير، ستظل تُعيد إنتاج نفس المشهد، بنفس الوجوه أو بغيرها.

لأن كرة القدم لا تنهار بضربة واحدة…
بل تذبل ببطء، تحت إدارة لا ترى أبعد من اللحظة،
ولا تؤمن أن البناء الحقيقي يبدأ من الشفافية… لا من الغرف المغلقة

اشرف محمدين مقالات

مواقيت الصلاة

الثلاثاء 11:25 صـ
25 ذو القعدة 1447 هـ 12 مايو 2026 م
مصر
الفجر 03:25
الشروق 05:04
الظهر 11:51
العصر 15:28
المغرب 18:39
العشاء 20:06