السبت 18 أبريل 2026 12:02 مـ 1 ذو القعدة 1447هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب :-بين سارق و مسروق - الحب من إحساس عابر إلى حالة وجود

أخبار مصر 2050

في لحظة ما لا يمكن تحديد توقيتها بدقة، ولا الإمساك ببدايتها كما لا يمكن توقّع نهايتها، يجد الإنسان نفسه وقد انتقل من كونه كائنًا عاقلًا يزن الأمور بميزان المنطق، إلى حالة أخرى أكثر تعقيدًا وعمقًا، حالة يصبح فيها القلب هو المتحكم الأول، لا يُستأذن ولا يُراجع، وكأننا أمام انقلابٍ هادئ لا صوت له، لكنه يغيّر كل شيء في الداخل دون أن يترك فرصة للمقاومة.

الحب، في جوهره، ليس مجرد شعور جميل يمرّ على الإنسان فيُسعده لبعض الوقت، بل هو تجربة وجودية كاملة، تعيد تشكيل الوعي، وتُربك ترتيب الأولويات، وتجعل الإنسان يتساءل عن نفسه قبل أن يتساءل عن الآخر؛ هل هو العاشق الذي يسعى، أم المعشوق الذي يُسعى إليه؟ وهل ما يشعر به اختيار، أم قدرٌ يتسلل إليه دون إذن؟

في كثير من الأحيان، لا تبدأ الحكاية بكلمات، ولا باعترافات واضحة، بل بنظرة عابرة، قد لا تستغرق سوى ثوانٍ، لكنها تترك أثرًا يمتد لسنوات، نظرة قادرة على سرقة هدوءٍ استقر طويلًا داخل النفس، لتستبدله بخفقانٍ دائم، لا يهدأ ولا يُفسَّر، وكأن القلب قد دخل في حالة استنفار عاطفي لا يعرف لها سببًا محددًا، لكنه يدرك تمامًا أنه لم يعد كما كان.

ومع تطوّر هذا الشعور، يدخل الإنسان في حالة من التناقض الجميل المؤلم في آنٍ واحد؛ فهو يسير نحو من يحب، لكن المسافات لا تُقاس بالأمتار، بل بالتردد والخوف والرغبة، ويقترب دون أن يصل، ويشعر بالحضور حتى في الغياب، وكأن العلاقة قد تجاوزت حدود الواقع، لتسكن منطقة بين الحلم والحقيقة، حيث لا قواعد واضحة ولا نهايات مؤكدة.

اقرأ أيضاً

وهنا تحديدًا، تتجلى واحدة من أعقد مفارقات الحب؛ إذ يبدأ المنطق في التراجع، لا لأنه ضعيف، بل لأنه ببساطة غير مؤهل لفهم هذا النوع من المشاعر، فتتبعثر الحسابات، وتذوب الفواصل، ويصبح شخصٌ واحد هو الوطن، وهو النبض، وهو السر الذي لا يُقال، وهو الإجابة التي تُغني عن كل الأسئلة، فيتحوّل وجوده من إضافة إلى ضرورة، ومن احتمال إلى يقين داخلي لا يحتاج إلى إثبات.

الأكثر إثارة في هذه التجربة، أن الغياب لا يُنهي الحضور، بل قد يزيده رسوخًا، فتظل صورة الحبيب ساكنة في القلب، نابضة فيه، تُضيء عتمته، وتمنحه معنى حتى في لحظات الوحدة، بينما يكون الحضور الحقيقي أشبه باكتمال المشهد، حيث يتسع الوجود فجأة، وتصبح الحياة أكثر امتلاءً، وكأن الروح قد عثرت أخيرًا على ما كانت تبحث عنه دون أن تدري.

وفي خضم هذا كله، يكتشف الإنسان حقيقة ربما لم يكن مستعدًا لمواجهتها من قبل، وهي أنه لم يعد مالكًا لقلبه كما كان يظن، بل أصبح هذا القلب مشتركًا بين حالتين؛ حالة من سرقته تلك النظرة الأولى، وحالة من سلّمه بإرادته الكاملة دون مقاومة، فيصبح في آنٍ واحد السارق والمسروق، الفاعل والمفعول به، القوي والضعيف، في معادلة لا تُحل، لكنها تُعاش بكل تفاصيلها.

وهكذا، لا يعود السؤال الأهم: كيف بدأ الحب؟ بل يصبح: كيف يمكن التعايش معه؟ وكيف يمكن الحفاظ على جماله دون أن يتحول إلى ألمٍ مُرهق؟ فالحب الحقيقي لا يُقاس بمدى اشتعاله فقط، بل بقدرته على الاستمرار دون أن يُحرق أصحابه، وعلى أن يظل وعدًا جميلًا، لا ينكسر أمام الواقع، ولا ينطفئ مع الوقت، بل ينضج ويهدأ، ويمنح صاحبه شعورًا عميقًا بالسعادة، حتى وإن ظل في داخله شيء من الحريق وفي النهاية، يكتشف الإنسان أن الحب لم يكن يومًا قصة تُروى بقدر ما هو رحلة تُعاش، وأنه ليس طريقًا واضح المعالم يمكن السير فيه بخطوات محسوبة، بل هو تيار جارف يحملنا إلى مناطق لم نخطط للوصول إليها، ويكشف لنا عن أنفسنا بقدر ما يكشف لنا عن الآخرين، فنرى في مراياه ضعفنا وقوتنا، احتياجنا وكبرياءنا، ونفهم – ربما متأخرين – أن أعظم ما يفعله الحب بنا أنه يجرّدنا من كل أقنعتنا، ويعيدنا إلى حقيقتنا الأولى بلا زيف ولا ادّعاء.

وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة من الفهم، يدرك أن كونه “بين سارقٍ ومسروق” لم يكن تناقضًا بقدر ما هو اكتمال؛ لأن الحب الحقيقي لا يقوم على طرفٍ يعطي وآخر يأخذ، بل على روحين تتبادلان الأخذ والعطاء في آنٍ واحد، دون حساباتٍ دقيقة، ودون خوفٍ من الخسارة، لأن الخسارة الحقيقية ليست في أن نحب، بل في أن نمرّ بالحياة دون أن نجرؤ على خوض هذه التجربة بكل ما فيها من جمالٍ وألم.

وهنا فقط، يصبح القلب – رغم ما فيه من حريق – أكثر سلامًا، لأن النار التي يشعلها الحب في الداخل ليست دائمًا نارًا مُهلكة، بل قد تكون نارًا مُنضِجة، تُهذّب المشاعر، وتُعيد ترتيب الأولويات، وتمنح الإنسان قدرة نادرة على الإحساس، وعلى رؤية الجمال في تفاصيل لم يكن يراها من قبل، وكأن الحب، في صورته الأعمق، ليس ضعفًا كما يظنه البعض، بل هو أعلى درجات الوعي الإنساني، حيث يصبح الشعور مسؤولية، والاهتمام اختيارًا، والاستمرار قرارًا لا تفرضه العاطفة وحدها، بل تدعمه الإرادة.

لذلك، لا يكون السؤال في نهاية الحكاية: هل نجح الحب أم فشل؟ بل: هل غيّرنا الحب إلى الأفضل؟ هل جعلنا أكثر صدقًا مع أنفسنا، أكثر رحمة بالآخرين، أكثر فهمًا لمعنى القرب والاحتواء؟ فإن كانت الإجابة نعم، فقد ربحنا، حتى وإن لم تكتمل القصة كما تمنّينا، لأن بعض النهايات، مهما بدت مؤلمة، تحمل في داخلها نضجًا لا تمنحه البدايات.

وهكذا يظل الحب، بكل تناقضاته، سرًا جميلًا لا يُفسَّر بالكامل، ولا يُختصر في كلمات، لكنه يُحسّ… ويُعاش… ويترك أثره فينا طويلًا، كأنّه وعدٌ لا ينتهي، حتى وإن تغيّرت الوجوه، أو تبدّلت الطرق، أو سكتت الحكايات

مقالات اخبار

مواقيت الصلاة

السبت 12:02 مـ
1 ذو القعدة 1447 هـ 18 أبريل 2026 م
مصر
الفجر 03:54
الشروق 05:25
الظهر 11:54
العصر 15:30
المغرب 18:24
العشاء 19:45