اشرف محمدين يكتب: خيانة النفس - أقسى وأعمق مما نظن
ليست كل الخيانات التي تهزّ الإنسان وتترك بداخله أثرًا عميقًا تأتي من الآخرين، فبعض الخيانات، وربما أقساها على الإطلاق، لا تأتي من الخارج، بل تنبع من الداخل ذاته، حين يقف الإنسان – دون أن يدرك – في مواجهة نفسه، ويختار أن يخذلها بصمت.
فنحن غالبًا ما نربط معنى الخيانة بالغدر الصريح، أو الكذب الواضح، أو الطعن الذي يأتي من الخلف دون إنذار، لكننا نغفل عن نوع آخر أكثر هدوءًا، وأكثر خفاءً، وربما أكثر خطورة، وهو ذلك النوع من الخيانة الذي يحدث حين يسمح الإنسان لأشخاص لا يشبهون نقاءه، ولا يقدّرون صفاء قلبه، أن يحتلوا مساحات واسعة من حياته، وكأنهم استحقوا ما لم يستحقوه يومًا.
يخون الإنسان نفسه في تلك اللحظات التي يرى فيها الحقيقة واضحة أمامه، لكنه يختار أن يغمض عينيه عنها، لا لجهله بها، بل لرغبته في ألا يصدقها، فيبرّر الأذى وكأنه عارض مؤقت، ويخفف من وقع الكلمات القاسية وكأنها لم تُقصد، ويقنع نفسه بأن ما يحدث ليس إلا سوء فهم عابر ستصلحه الأيام، بينما الأيام نفسها قد تكون شاهدة على تكرار نفس الألم.
وهو لا يفعل ذلك ضعفًا بقدر ما يفعله بدافع طيبته، فالقلب الطيب بطبيعته يميل إلى الأمل، ويُصرّ على أن يمنح الآخرين فرصة تلو الأخرى، مؤمنًا بأن النفوس قد تتغير، وأن النوايا قد تصفو، وأن ما انكسر يمكن أن يُرمّم، حتى وإن كانت الشواهد كلها تقول عكس ذلك.
لكن الحقيقة التي غالبًا ما تأتي متأخرة، بعد أن يكون الإنسان قد استنزف جزءًا كبيرًا من طاقته وهدوئه، هي أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا ليضيفوا إليها نورًا، بل ليستهلكوا ما فيها من سلام، ويتركوا خلفهم فراغًا لا يُملأ بسهولة.
وخيانة النفس لا تكمن فقط في أن نخطئ في اختيار من نثق بهم، فكل إنسان معرض للخطأ في تقدير الآخرين، لكن الخيانة الحقيقية تبدأ حين نستمر في منح الفرص لمن أثبت مرارًا أنه لا يعرف قيمتها، وحين نُبقي أبوابنا مفتوحة لمن اعتاد الدخول والخروج دون اكتراث، وكأن وجودنا في حد ذاته أمر مفروغ منه.
نخون أنفسنا أيضًا حين نُصرّ على البقاء قريبين ممن يستهينون بمشاعرنا، أو يقلّلون من حضورنا، أو يحوّلون أبسط الأيام إلى عبء ثقيل على الروح، فنستنزف أنفسنا في محاولات لا تُثمر، ونُرهق قلوبنا في علاقات لا تُعيد إلينا ما نعطيه.
فالإنسان الذي يحترم ذاته لا يقيس علاقاته بكثرتها، بل بعمقها، ولا بعدد من يحيطون به، بل بقيمة من يختار أن يسمح لهم بالاقتراب، فهو يدرك جيدًا متى يفتح أبواب حياته بثقة، لكنه يدرك كذلك – وربما الأهم – متى يغلقها بهدوء، دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه ضغينة.
لأن الحقيقة البسيطة التي نتعلمها مع الوقت، أن ليس كل من طرق باب حياتك يستحق أن يدخل، وليس كل من دخل يستحق أن يبقى، وأن البقاء أحيانًا لا يكون دليل حب، بل قد يكون دليل اعتياد مؤلم.
وفي كثير من الأحيان، نُخطئ حين نظن أن الابتعاد ضعف، بينما هو في جوهره أحد أندر أشكال القوة، قوة أن تحمي قلبك من التآكل، وأن تحافظ على هدوئك الداخلي، وأن تدرك بوعي عميق أن السلام النفسي ليس رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل ضرورة لا يمكن التفاوض عليها.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في محاولة إصلاح من لا يرى في نفسه عيبًا، وأثمن من أن نمنحها لمن لا يدرك قيمتها، وأصدق من أن نعيشها في علاقات تُطفئنا بدل أن تُنيرنا.
ومع مرور السنوات، وتراكم التجارب، يتعلم الإنسان درسًا ربما كان من أصعب ما يتعلمه، لكنه من أهمها، وهو أن حب الذات لا يعني أنانية كما يُشاع، بل هو في حقيقته احترام صادق لروحٍ أنهكتها المحاولات، وتستحق أخيرًا أن تعيش في سلام.
وفي نهاية المطاف، يصل الإنسان إلى حقيقة بسيطة في كلماتها، لكنها قاسية في معناها، وهي أن أخطر ما يمكن أن يفعله بنفسه ليس أن يُخدع من الآخرين، بل أن يستمر في خداع نفسه رغم وضوح الحقيقة.
فالقلوب الطيبة لا تُهزم لأنها ضعيفة، بل لأنها تمنح أكثر مما ينبغي، وتُراهن على التغيير حتى في الأماكن التي لا تعرف التغيير، وتُطيل البقاء حيث كان يجب أن ترحل منذ زمن.
لكن مع نضج الروح، يتغيّر هذا الميزان، ويتعلم الإنسان أن الرحمة بالآخرين لا يجب أن تكون على حساب الرحمة بنفسه، وأن التسامح لا يعني أن يسمح للأذى بأن يتحول إلى رفيق دائم في حياته.
وعند تلك اللحظة تحديدًا، يبدأ السلام الحقيقي في التشكّل، حين يدرك الإنسان أن بعض الأبواب لم تُخلق لتظل مفتوحة، وأن بعض العلاقات لم تُكتب لها الاستمرارية، وأن أعظم ما يمكن أن يقدّمه لنفسه أحيانًا، ليس التمسك… بل الانسحاب الهادئ من كل ما لم يعد يشبه قلبه.
فليست النجاة دائمًا في البقاء…
بل كثيرًا ما تكون في القدرة على الإفلات، في التوقيت الذي ينقذ ما تبقى من روحك



اشرف محمدين يكتب:-بين الفرح المفرط والحزن المبالغ فيه… أزمة التوازن في الكرة المصرية
اشرف محمدين يكتب:-من اعتاد تجاوز أوجاعه بمفرده… لن يكسره الرحيل
اشرف محمدين يكتب : « احتراف بالاسم… لا بالفعل »
مها الوكيل تكتب : «في اليوم العالمي للمرأة… تحية لكل ست بتقول: سيبها عليّا»
اشرف محمدين يكتب:-الحوار الهادئ بين الأزواج – لغة القلوب قبل العقول
اشرف محمدين يكتب : تعادل بطعم الهزيمة - و فوز بطعم البطولة
اشرف محمدين يكتب:-المرأة تحب الرجل القوي… الذي يلين لأجلها فقط
مها الوكيل تكتب : رمضان في مصر حاجة تانية
اشرف محمدين يكتب:-مدير الكرة - المنصب الذي يصنع الفارق
اشرف محمدين يكتب:-حين يعود الغادر مستغربًا - كيف تحجرت المشاعر و تبدلت القلوب
اشرف محمدين يكتب:-الوفاء أولًا - قبل أن تصنعوا للحب عيدًا
اشرف محمدين يكتب: الدخلاء على الإعلام الرياضي – حين يتحول التحليل إلى “شو”






