اشرف محمدين يكتب : « احتراف بالاسم… لا بالفعل »
في كرة القدم المصرية، أصبح لفظ “الاحتراف” كلمة كبيرة تُقال كثيرًا، لكنها للأسف لا تُمارس بالمعنى الحقيقي الذي قامت عليه في العالم كله. فحين نتأمل واقع اللعبة في مصر، سنكتشف أن الاحتراف لدينا تحوّل إلى معادلة مختلة: أموال تُدفع بسخاء، يقابلها في أحيان كثيرة التزام ضعيف، وانضباط غائب، ومنظومة إدارية ما زالت تفكر بعقلية الهواية وهي تدير لعبة يفترض أنها أصبحت صناعة.
الاحتراف الحقيقي ليس مجرد عقود مالية كبيرة، ولا أرقام فلكية في صفقات الانتقال، ولا حتى رواتب شهرية تُدفع للاعبين. الاحتراف في جوهره منظومة كاملة تقوم على الحقوق والواجبات معًا، وعلى معادلة واضحة: ما يحصل عليه اللاعب من امتيازات يقابله التزام كامل في الأداء والانضباط والسلوك والاحترافية داخل وخارج الملعب.
لكن الواقع في مصر يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
فكثير من اللاعبين يعيشون الاحتراف باعتباره حقًا ماليًا فقط، بينما تغيب عن المشهد التزامات الاحتراف الأساسية: الانضباط في التدريبات، احترام النظام الغذائي والبدني، الحفاظ على الجاهزية، الالتزام الذهني، وتحمل المسؤولية أمام الجماهير والنادي. وكأن الاحتراف أصبح مجرد انتقال من الهواية الفقيرة إلى الثراء السريع، دون أن يصاحبه تطور حقيقي في عقلية اللاعب نفسه.
والمشكلة هنا لا تقع على اللاعب وحده، بل تمتد إلى المنظومة كلها.
فالإدارة التي تدير كرة القدم في مصر، في كثير من الأحيان، لا تزال تُدار بعقلية العلاقات والقرارات العاطفية، لا بعقلية المؤسسات الاحترافية التي تحكمها اللوائح الصارمة والرقابة والمحاسبة. فالاحتراف الحقيقي يحتاج إلى إدارات محترفة تعرف كيف تدير العقود، وتراقب الأداء، وتحاسب المقصر، وتكافئ المجتهد، وتضع مصلحة المؤسسة فوق أي اعتبارات أخرى.
اقرأ أيضاً
مها الوكيل تكتب : «في اليوم العالمي للمرأة… تحية لكل ست بتقول: سيبها عليّا»
اشرف محمدين يكتب:-الحوار الهادئ بين الأزواج – لغة القلوب قبل العقول
اشرف محمدين يكتب : تعادل بطعم الهزيمة - و فوز بطعم البطولة
اشرف محمدين يكتب:-المرأة تحب الرجل القوي… الذي يلين لأجلها فقط
مها الوكيل تكتب : رمضان في مصر حاجة تانية
اشرف محمدين يكتب:-مدير الكرة - المنصب الذي يصنع الفارق
اشرف محمدين يكتب:-حين يعود الغادر مستغربًا - كيف تحجرت المشاعر و تبدلت القلوب
اشرف محمدين يكتب:-الوفاء أولًا - قبل أن تصنعوا للحب عيدًا
اشرف محمدين يكتب: الدخلاء على الإعلام الرياضي – حين يتحول التحليل إلى “شو”
اللعبة قلبت بجد: إزاي الشاشات خطفت عقول أطفال وشباب مصر
اشرف محمدين يكتب:-قبل رحيلهم - يكتبون تاريخاً مزيفا
اشرف محمدين يكتب:-الثقافة الاحترافية الغائبة… حين تتحول الموهبة إلى أزمة
في الدوريات الكبرى حول العالم، اللاعب المحترف يخضع لمنظومة دقيقة من المتابعة والمحاسبة، بداية من الحضور والانصراف في التدريبات، مرورًا بمستوى اللياقة، وصولًا إلى السلوك الشخصي خارج الملعب. هناك مؤسسات كاملة تعمل لضمان أن يبقى اللاعب في أعلى درجات الاحترافية، لأن النادي يستثمر فيه أموالًا هائلة ويريد عائدًا واضحًا من هذا الاستثمار.
أما في مصر، فكثيرًا ما نجد الأندية تدفع الملايين دون أن تمتلك الأدوات الحقيقية التي تضمن أن يتحول هذا الإنفاق إلى أداء داخل الملعب. فتضيع الأموال، وتضيع معها فرص التطوير، ويبقى الاحتراف مجرد لافتة جميلة نرفعها أمام العالم، بينما الواقع مختلف تمامًا.
والحقيقة المؤلمة أن الاحتراف لا يمكن أن يكون انتقائيًا.
فلا يمكن أن نأخذ منه جانب الأموال فقط، ونترك جانب الالتزام والانضباط والعمل المؤسسي. الاحتراف إما أن يكون منظومة كاملة، أو لا يكون احترافًا من الأساس.
إن الكرة المصرية لا تحتاج فقط إلى لاعبين موهوبين، فالموهبة موجودة منذ عقود، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى عقلية احتراف تبدأ من اللاعب، وتمر بالإدارة، وتنتهي بالمؤسسات التي تدير اللعبة. فبدون هذه العقلية، ستظل كرة القدم في مصر تدفع ثمن وهم الاحتراف، بينما الحقيقة أننا ما زلنا نعيش في منطقة رمادية بين الهواية والاحتراف. في النهاية - لا يمكن لكرة القدم أن تزدهر في مناخٍ يرفع لافتة الاحتراف بينما يمارس الهواية في السلوك والعقلية. الاحتراف ليس أرقامًا في العقود، ولا رواتب تُدفع آخر الشهر، بل منظومة كاملة من الانضباط والمسؤولية والمحاسبة. اللاعب المحترف لا يقاس بما يتقاضاه، بل بما يقدمه، والإدارة المحترفة لا تُعرف بما تعلنه، بل بما تُحسن إدارته.
وما بين لاعبٍ يحصل على أموال الاحتراف دون التزاماته، وإدارةٍ تدير اللعبة بعقلية الهواة، تضيع كرة القدم المصرية في منطقة رمادية لا هي احتراف حقيقي ولا هي براءة الهواية القديمة. ولذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لن يبدأ بزيادة العقود أو تغيير اللوائح على الورق، بل بتغيير الفكرة نفسها: أن الاحتراف أخلاق قبل أن يكون مالًا، وانضباط قبل أن يكون شهرة، ومسؤولية قبل أن يكون امتيازًا.
فكرة القدم لا تخسر عندما يخسر فريق مباراة، لكنها تخسر حقًا عندما يتحول الاحتراف إلى مجرد كلمة جميلة تُكتب في اللوائح… ولا تُمارس في الملاعب










