اشرف محمدين يكتب: «تجربتي مع الموت - بين العناية المركزة و العناية الإلهية»
لحظات في حياة الإنسان لا تُشبه أي لحظة سبقتها، لحظات لا يعود بعدها الإنسان كما كان أبدًا، وكأن الله ينتزعك من النسخة القديمة التي كنت تعيش بها، ثم يُعيدك إلى الدنيا بروح أخرى، وعينين مختلفتين، وقلب لم يعد يرى الحياة بنفس الطريقة، ولا يفرح بنفس الأشياء، ولا يحزن على نفس التفاصيل الصغيرة التي كانت يومًا تُهلكه نفسيًا، لأن من اقترب يومًا من الموت الحقيقي… لا يعود يخاف من كثير من الأشياء بعدها.
في عام 2010، لم يكن ما حدث مجرد حادث طريق عابر يُكتب في محضر شرطة وينتهي الأمر، وإنما كان زلزالًا كاملًا هزّ الجسد والروح معًا، وجعل الإنسان يقف للمرة الأولى أمام ضعفه الكامل، وأمام حقيقة أن الحياة التي نعتقد أحيانًا أننا نملكها… قد تتغير في ثانية واحدة فقط، بلا مقدمات، وبلا استئذان، وبلا أي رحمة بقوانين البشر وحساباتهم.
ثمانية وعشرون يومًا كاملة داخل العناية المركزة… بين الحياة والموت… بين صوت الأجهزة الطبية ودعوات الأحباب… بين الأمل الذي يتمسك بك أحيانًا واليأس الذي يحاول التسلل إلى من حولك أحيانًا أخرى… ثمانية وعشرون يومًا كان الجسد فيها مُلقى فوق سرير عاجز عن الحركة، بينما الروح كانت تخوض رحلة أخرى لا يمكن للكلمات أن تصفها بسهولة، رحلة جعلت الإنسان يرى الدنيا من الخارج تقريبًا، ويرى كم نحن ضعفاء مهما توهمنا القوة، وكم نحن فقراء إلى الله مهما امتلكنا من مال أو نفوذ أو مناصب أو شهرة.
وحين يقترب الإنسان من حافة النهاية… تتغير داخله أشياء كثيرة جدًا… يصبح أكثر يقينًا بأن هناك عالمًا آخر ليس خيالًا، وأن البرزخ ليس مجرد كلمة نسمعها في الخطب الدينية ثم ننساها، وأن الجنة والنار ليستا فقط موضوعًا للوعظ، وإنما حقيقة مهيبة قد يلمس الإنسان قربها في لحظة فاصلة بين البقاء والرحيل، وحينها فقط يدرك الإنسان أن كل صراعات الدنيا الصغيرة التي استنزفت أعصابه كانت في النهاية أقل بكثير من أن تستحق كل ذلك القلق والتوتر والخصام والجري المجنون خلف أشياء زائلة.
اقرأ أيضاً
منال منير تكتب : « عصر الشغل الذكي كيف يتحول ChatGPT من مجرد شاشة دردشة إلى شريك أرباحك في المنزل؟»
اشرف محمدين يكتب:-الفوز لا يُخدّر الوعي - والأهلي أكبر من مجرد انتصار
منال منير تكتب « صناعة الكورسات الرقمية بين المتعة التعليمية والتسويق المبالغ فيه»
منال منير تكتب « صناعة الكورسات الرقمية بين المتعة التعليمية والتسويق المبالغ فيه»
اشرف محمدين يكتب:-الإنسان لا يُقاس بجنسه - بل بالفعل الذي يتركه خلفه .
اشرف محمدين يكتب:-حين يسقط الكبار… لا يكون السقوط في النتيجة فقط، بل في التفاصيل التي سبقتها
د. أحمد الشربيني يكتب : « الزرار بيشتكي من الضغط بلا استجابة »
اشرف محمدين يكتب:-الوعد - عندما يكون الكلام أثقل من العقود
د.أحمد الشربيني يكتب: «دليل استخدام المواطن المصري»
د.أحمد الشربيني يكتب:- « إعلان عن نفاد صبر المواطن»
اشرف محمدين يكتب:-البطل لا يُصنع بالصدفة… بل يُبنى بعقلية لا تعرف التنازل
اشرف محمدين يكتب :-بين سارق و مسروق - الحب من إحساس عابر إلى حالة وجود
لكن المعركة الحقيقية لم تبدأ داخل غرفة العناية المركزة… بل بدأت بعدها.
اثنتا عشرة عملية جراحية كاملة في الساق اليسرى… أطباء ينظرون للحالة بدهشة… وعظام تحطمت بشكل جعل أحد الأطباء يصفها قائلًا إنها أصبحت “مثل شكارة الأرز”… لا توجد فيها عظمة واحدة سليمة… وصف قاسٍ جدًا لكنه كان الحقيقة الطبية المجردة، والحقيقة أحيانًا تكون مؤلمة إلى حد لا يحتمله سوى أصحاب القلوب القوية.
عام كامل على كرسي متحرك… ثم عام ونصف على عكازات… تفاصيل يومية لا يشعر بقسوتها إلا من عاشها، لأن أصعب ما يواجه الإنسان ليس الألم الجسدي فقط، وإنما ذلك الإحساس القاسي بالعجز حين يحتاج لمساعدة الآخرين في أبسط الأمور التي كان يؤديها قديمًا بلا تفكير، وحين يكتشف فجأة أن المشي الذي نعتبره أمرًا عاديًا جدًا… هو في الحقيقة نعمة هائلة لا يشعر بقيمتها إلا من حُرم منها.
ثم جاءت اللحظة الفاصلة… حين قال الطبيب قبل آخر عملية:
“لازم تستعد نفسيًا إنك ممكن تكمل حياتك على عكازات.”
جملة كفيلة بأن تُحطم إنسانًا من الداخل… جملة ربما جعلت كثيرين قبله يستسلمون للأمر الواقع… لكن هناك فارقًا ضخمًا بين من يعيش بعقلية الهزيمة… ومن يعيش بيقين أن الله قادر على تغيير كل شيء مهما بدا مستحيلًا في نظر البشر.
وفي غرفة العمليات نفسها، لم يكن هناك استسلام، بل كان هناك تحدٍ… صورة تم التقاطها مع الطبيب… وكأنها إعلان صريح لمعركة جديدة عنوانها: “سأعود للمشي مهما حدث”… لم يكن الأمر غرورًا ولا عنادًا فارغًا، وإنما كان مزيجًا نادرًا من الإيمان بالله، والإصرار، واليقين، والعناد الشريف الذي يجعل الإنسان يتمسك بالحياة حتى آخر لحظة.
والمعجزات أحيانًا لا تحدث فجأة كما في الأفلام… بل تأتي متخفية داخل التعب الطويل، والألم، وجلسات العلاج، والسقوط والمحاولة، والدموع التي لا يراها أحد، والليالي التي ينام فيها الإنسان مكسورًا لكنه يستيقظ في اليوم التالي ليحاول من جديد… إلى أن تأتي اللحظة التي ينتصر فيها على نفسه قبل أن ينتصر على ظروفه.
واليوم… حين يمشي الإنسان على قدميه بشكل طبيعي تقريبًا بعد كل ما حدث… فهو لا يمشي بساق تعافت فقط، وإنما يمشي بقلب عرف معنى الرحمة الإلهية، وروح عرفت أن اليأس خيانة لله قبل أن يكون ضعفًا بشريًا، وأن المستحيل في كثير من الأحيان ليس إلا جدارًا يخيف المترددين… لكنه يسقط أمام أصحاب اليقين الحقيقي
بعض الناس يظنون أن القوة تعني ألا تبكي، أو ألا تتألم، أو ألا تسقط، بينما الحقيقة الأعمق كثيرًا أن القوة الحقيقية هي أن تسقط سقوطًا كان كفيلًا بإنهاء حياة إنسان بالكامل… ثم تعود للحياة مرة أخرى بإرادة أقوى، وروح أكثر صلابة، وقلب أكثر قربًا من الله، وأن تنظر في وجه الأطباء الذين تحدثوا بلغة الأرقام والعلم والمنطق، ثم تُثبت لهم أن فوق كل الحسابات البشرية توجد إرادة إلهية قادرة على تغيير كل شيء، وأن الدعاء أحيانًا يفعل ما تعجز عنه الأجهزة، وأن اليقين بالله ليس مجرد كلمات نقولها في أوقات الراحة، وإنما سلاح حقيقي يُولد داخل الإنسان قدرة مذهلة على المقاومة حين ينهار كل شيء حوله، وأن الإنسان قد يُهزم جسديًا لفترة، وقد يسقط، وقد يُصبح عاجزًا، وقد يجلس على كرسي متحرك، وقد يتكئ على عكاز، لكن أخطر أنواع الهزيمة على الإطلاق هي هزيمة الروح من الداخل، أما من ظل قلبه مؤمنًا بالله، متمسكًا بالأمل، رافضًا للاستسلام، فذلك الإنسان قد يتأخر انتصاره لكنه لا يخسر أبدًا و في النهاية - لكل شاب يمر اليوم بأزمة يظن أنها نهاية الدنيا، وكل إنسان سقط تحت ضغط المرض أو الفشل أو الخذلان أو الظروف القاسية أو فقدان الأحلام، عليه أن يفهم جيدًا أن الحياة لا تُقاس أبدًا بعدد المرات التي سقطنا فيها، وإنما تُقاس بعدد المرات التي قررنا فيها أن نقف من جديد رغم الوجع، ورغم الخوف، ورغم كلام الناس، ورغم التقارير الطبية أحيانًا، لأن أخطر ما قد يحدث للإنسان ليس أن يُصاب جسده، وإنما أن يُصاب يقينه، وأن يسمح للهزيمة بأن تسكن داخله وتُقنعه أن المعركة انتهت بينما الله سبحانه وتعالى قادر في لحظة واحدة أن يفتح أبوابًا لم يتخيلها عقل بشر.
تمسّكوا بالأمل حتى لو بدا الطريق مظلمًا بالكامل، وتمسّكوا بالله أكثر من تمسككم بأي شيء آخر، لأن الإنسان حين يفقد المال قد يعوضه، وحين يفقد العمل قد يجد غيره، وحين يسقط قد يقف مرة أخرى، لكن حين يفقد إيمانه ويقينه يتحول إلى جسد يتحرك بلا روح حقيقية، ولذلك لا تسمحوا أبدًا للحزن أن يُقنعكم أن النهاية قد جاءت، ولا تسمحوا لكلام المُحبطين أن يسرق منكم إرادة المحاولة، فكم من شخص قالوا عنه “انتهى” ثم عاد أقوى مما كان










