على سبيل السخرية لا أكثر. د.أحمد الشربيني يكتب:-إعلان عن نفاد صبر المواطن
تُعلن الجهات غير المختصة، وبالتنسيق الكامل مع الواقع، عن نفاد صبر المواطن المصري نفادًا شبه كامل، مع بقاء آثار بسيطة منه في أطراف اليوم، تحديدًا قبل أول كوب شاي، وبعد آخر محاولة لإقناع نفسه أن “بكرة أحسن”.
وقد صدر هذا الإعلان بعد سلسلة من الاختبارات الميدانية التي أُجريت على مدار سنوات، شملت الوقوف في طوابير لا تنتهي، والتعامل مع إشارات مرور تتعامل مع الزمن بشكل شخصي، ومحاولات متكررة لفهم منطق الأشياء… والتي باءت جميعها بالفشل، مع الاحتفاظ بابتسامة خفيفة كدليل على حسن النية.
ووفقًا للتقرير، فإن صبر المواطن كان يُخزن في مناطق حساسة داخل الجهاز العصبي، أبرزها “أيوة ماشي” و“هتعدّي”، إلا أن هذه المخازن تعرضت لاستنزاف تدريجي بسبب الاستخدام المفرط، خاصة في أوقات الذروة، وأثناء التعامل مع خدمات تتطلب “دقيقتين بس” وتمتد زمنيًا لتغطي فصلًا دراسيًا كاملًا.
وقد أوضح الخبراء أن الصبر لم يختفِ فجأة، بل بدأ في التآكل البطيء، حيث كان المواطن يستخدمه بحذر في البداية، ثم بكرم مفرط، إلى أن وصل إلى مرحلة “الصرف على المكشوف”، وهي المرحلة التي يقول فيها: “خلاص بقى” دون أن يقصد شيئًا محددًا، لكنها تُقال بنبرة تحمل تاريخًا كاملًا من المحاولات.
وفي إطار ترشيد الموارد، تُهيب الجهات المعنية بالمواطنين ضرورة تقليل استخدام الصبر في غير موضعه، مثل محاولة إقناع الإنترنت أن يعمل بسرعة، أو إقناع المصعد أنه موجود فعلًا، أو إقناع النفس بأن “الموضوع بسيط”. كما يُنصح باستخدام بدائل مؤقتة مثل الضحك غير المبرر، أو النظر في الفراغ بتأمل عميق، أو إعادة تشغيل اليوم من أوله ذهنيًا.
كما تم رصد ظاهرة جديدة تُعرف بـ“إعادة تدوير الصبر”، حيث يقوم المواطن باسترجاع مواقف قديمة نجح فيها في التحمل، وإعادة استخدامها كمصدر طاقة نفسي، وهي تقنية فعالة لكنها محدودة المدى، وتفقد تأثيرها عند أول احتكاك مباشر مع الواقع.
وفي تصريح خاص، قال أحد المواطنين—رافضًا ذكر اسمه لأسباب تتعلق ببقية صبره—إنه لم يعد يملك رفاهية الانفعال، ولا حتى التذمر، مشيرًا إلى أنه أصبح يتعامل مع الأحداث اليومية بنوع من القبول الهادئ، الذي لا يُفهم إن كان حكمة أم إرهاقًا. وأضاف: “أنا مش متضايق… أنا بس مش قادر أتحمس لأي حاجة، حتى الزحمة بقت جزء من الديكور”.
من جانبها، أكدت مصادر غير مطلعة أن هناك محاولات جارية لإنتاج صبر صناعي، يمكن توزيعه على المواطنين في عبوات صغيرة، تُستخدم عند الحاجة، خاصة في المواقف الطارئة مثل انقطاع الكهرباء المفاجئ، أو اختفاء الموظف المسؤول عن إنهاء الإجراء في اللحظة الحاسمة. إلا أن هذه المحاولات لا تزال في مراحلها التجريبية، بعد فشل النموذج الأول في الصمود لأكثر من خمس دقائق.
وفي سياق متصل، تم اقتراح إدخال مادة “إدارة الصبر” ضمن المناهج التعليمية، بحيث يتعلم الطلاب منذ الصغر كيفية التعامل مع التأجيل، والتكيف مع الغموض، وفهم أن “دلوقتي” ليست دائمًا الآن، وأن “حالًا” قد تعني لاحقًا، وربما لاحقًا جدًا.
ورغم كل ذلك، لا يزال المواطن يحتفظ بقدرة غريبة على الاستمرار، وكأن الصبر، حتى بعد نفاده، يترك خلفه ظلًا خفيفًا يُمكّنه من العبور. ظل لا يُقاس، ولا يُخزن، لكنه يظهر في اللحظة التي يقرر فيها أن يكمل، لا لأنه يستطيع، بل لأنه لا يملك خيارًا آخر.
وفي ختام هذا الإعلان، تُجدد الجهات غير المعنية تأكيدها على أن الصبر، وإن كان موردًا محدودًا، إلا أن استخدامه بحكمة—أو على الأقل بتوزيع عشوائي عادل—قد يطيل عمره قليلًا، أو على الأقل يؤجل إعلان نفاده القادم.
… وعلى أي حال، يُرجى من المواطنين الاحتفاظ بما تبقى لديهم من صبر لاستخدامه في قراءة الإعلانات القادمة.
على سبيل السخرية… لا أكثر.
د.أحمد الشربيني
???? نشرة أحوال
يوميات غير قابلة للنشر
مقال 2
عنوان المقال: دليل استخدام المواطن المصري
اقرأ أيضاً
الحكومة: زيادة الأجور 21% ورفع الحد الأدنى لـ8 آلاف جنيه يوليو القادم
انقطاع الكهرباء عن غارب والقصير ومرسى علم بالكامل لمدة ساعة.. التفاصيل
الأرصاد: أجواء ربيعية وسحب غير مؤثرة تزين شمال البلاد
اشرف محمدين يكتب:-البطل لا يُصنع بالصدفة… بل يُبنى بعقلية لا تعرف التنازل
هدوء نسبى لسعر الدولار مقابل الجنيه فى بداية تعاملات اليوم الثلاثاء
الذهب يتراجع وسط ضبابية الموقف الأمريكي-الإيراني وترقب لجلسة ”وارش”
شركة مصر للطيران تطلق خدمات إنترنت متطورة مجانية على متن أسطولها الجوي
مستشار ترامب: شرف لي زيارة مصر ولقاء الرئيس السيسي
عاجل| تدهور الحالة الصحية للفنان هاني شاكر ومنع الزيارة عنه
لا يصرفون بسهولة.. 4 أبراج تخاف على المال تحسباً لظروف الطارئة (هل أنت منهم؟)
تخفيف حبس التيك توكر ”مداهم” من سنة لثلاثة أشهر
محامي الشاب المصفوع من عمرو دياب: الحكم إدانة ضد الفنان وسنرفع دعوي تعويض
في محاولة جادة لفهم ما لا يُفهم، وبعد سنوات من الملاحظة الميدانية والتجارب اليومية غير المقصودة، قررت بعض الجهات—التي تراقب بصمت ولا تتدخل—إصدار أول “دليل استخدام” للمواطن المصري. ليس بغرض التحكم، فذلك مستحيل علميًا، ولكن على الأقل لتقليل الخسائر الناتجة عن سوء الفهم المتكرر.
الفكرة بدأت عندما اكتشف أحدهم أن التعامل مع المواطن المصري يتم غالبًا بطريقة عشوائية، كأنك تستخدم جهازًا معقدًا بدون كتالوج، ثم تتعجب لماذا لا يعمل كما توقعت. ومن هنا، جاءت الحاجة إلى دليل بسيط يوضح الأساسيات: متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تكتفي بالنظر في الفراغ احترامًا للوضع.
أول ما يجب معرفته أن المواطن المصري لا يُنصح بالتعامل معه فور استيقاظه. في هذه المرحلة، يكون في حالة انتقالية بين الحلم والواقع، وغالبًا ما يرفض الاعتراف بأن اليوم قد بدأ بالفعل. أي محاولة لطرح أسئلة من نوع “هتعمل إيه النهارده؟” قد تُقابل بنظرة تحمل قدرًا من الفلسفة والإنكار، وكأنك تسأله عن معنى الحياة، لا عن جدول يومي بسيط. الحل الأمثل هو تركه حتى يحصل على كوب الشاي الأول، حيث يبدأ النظام في التحميل تدريجيًا، وتظهر ملامح الاستجابة.
أما عن بيئة التشغيل، فالمواطن المصري لا يعمل بكفاءة في الهدوء التام. على عكس ما قد يتوقعه البعض، فإن الضوضاء الخفيفة إلى المتوسطة تُحسن الأداء، وتمنحه شعورًا بأن الحياة تسير كما ينبغي. وجود زحمة، صوت تلفزيون في الخلفية، أو نقاش جانبي غير مفهوم، كلها عناصر تساعد على استقرار النظام. في حالة الهدوء الكامل، قد يشعر المواطن بقلق غير مبرر، ويميل إلى اختراع مشكلة صغيرة لإعادة التوازن.
عند طلب مهمة، يُفضل استخدام عبارات مرنة مثل “نشوف الموضوع ده” أو “نحاول نخلصه”، بدلًا من الأوامر المباشرة التي قد تُفعل آلية دفاعية تُعرف بـ“هنتصرف”. هذه العبارة، رغم بساطتها، تحمل طيفًا واسعًا من المعاني، تبدأ من النية الصادقة وتنتهي بالتأجيل غير المحدد. لذلك، يُنصح بعدم الاعتماد عليها كمؤشر زمني دقيق.
ومن الخصائص اللافتة في هذا النموذج، قدرته العالية على التحمل. المواطن المصري يستطيع امتصاص قدر كبير من الضغوط دون أن يُظهر ذلك فورًا، بل غالبًا ما يحوّل التوتر إلى دعابة، وكأن الضحك ليس رد فعل، بل وسيلة بقاء. هذه الخاصية، رغم فائدتها، قد تُخفي أعطالًا داخلية لا تظهر إلا في لحظات غير متوقعة، مثل صمت طويل أو جملة مختصرة تحمل أكثر مما تقول.
الأعطال الشائعة لا تعني بالضرورة خللًا دائمًا، بل هي جزء من طبيعة التشغيل. قد يحدث “تهنيج” مؤقت عند مواجهة موقف غير منطقي، وهنا يُنصح باستخدام جملة “معلش” كأداة إعادة ضبط. كذلك، قد ينخفض الحماس في منتصف اليوم، وهو أمر طبيعي يمكن التعامل معه بجرعة من القهوة أو شكوى جماعية تعيد التوازن النفسي.
أما الصيانة، فهي لا تتطلب أدوات معقدة. جلسة فضفضة، ضحكة صادقة، أو حتى إجازة قصيرة—حقيقية أو متخيلة—قد تكون كافية لإعادة تشغيل النظام بكفاءة مقبولة. المهم هو تقليل التوقعات، لا زيادتها، لأن الضغط الإضافي لا يُحسن الأداء، بل يدفع المواطن إلى تفعيل وضع “عدّيها”، وهو وضع يوفر الطاقة لكنه لا يحل المشكلات.
ورغم كل المحاولات لتحديث هذا النموذج، لا يزال الإصدار الحالي يعمل بطريقة يصعب التنبؤ بها. هناك وعود بإصدار جديد أكثر تنظيمًا، أقل اعتمادًا على “بكرة”، وأكثر استجابة للواقع، لكن هذه التحديثات، كغيرها، تخضع لظروف غير واضحة، وغالبًا ما يتم تأجيلها دون إشعار مسبق.
في النهاية، لا يمكن التعامل مع المواطن المصري كجهاز تقليدي. هو نظام حي، يتفاعل، يتأقلم، ويُفاجئك أحيانًا بقدرته على الاستمرار رغم كل شيء. قد لا يعمل وفق القواعد، لكنه نادرًا ما يتوقف، وكأن هناك آلية خفية تُبقيه في حالة تشغيل دائم، حتى في أسوأ الظروف.
ولو فشلت كل محاولات الفهم، لا تقلق. هذا طبيعي. الدليل نفسه يعترف، في سطر غير مكتوب، أن بعض الأشياء لا تُفهم… فقط تُعاش.







