اشرف محمدين يكتب « من يجعلك أوّل اهتمامه - يستحق أن يكون كل اهتماماتك »
العلاقات أصبحت سريعة كرسائل الهاتف، ومتقلبة كتقلبات المزاج، ومزدحمة بالوعود الكبيرة التي كثيرًا ما تعجز عن الصمود أمام أول اختبار حقيقي، أصبح الاهتمام الصادق من أندر الأشياء التي يمكن أن يحصل عليها الإنسان في حياته. فالناس اليوم تتقن الكلام أكثر مما تتقن الفعل، وتجيد التعبير عن المشاعر أكثر مما تجيد المحافظة عليها، ولذلك لم يعد الحب الحقيقي يُقاس بعدد الكلمات الجميلة التي تُقال، ولا بعدد القلوب والورود التي تُرسل، بل بكمية الاهتمام الصادق الذي يترجم هذه المشاعر إلى أفعال صغيرة متكررة، قد لا يلاحظها الجميع، لكنها تصنع الفارق كله.
فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يحدثه عن الحب، بقدر حاجته إلى من يشعره به. يحتاج إلى من يسأل عنه دون مناسبة، ويتفقد أحواله دون طلب، ويشعر بتغيره حتى عندما يحاول أن يبدو بخير. يحتاج إلى شخص يلتقط حزنه من بين كلماته العادية، ويفهم صمته كما يفهم حديثه، ويلاحظ غيابه حتى عندما يحاول أن يتوارى خلف انشغالات الحياة.
أن يجعلك أحدهم أول اهتمامه، فهذه ليست مسألة بسيطة كما يظن البعض، بل هي من أعظم صور التقدير الإنساني. لأنها تعني أنك حاضر في عقله وقلبه وسط زحام مسؤولياته، وأنك لا تأتي بعد انتهاء كل شيء، بل تكون جزءًا من الأشياء المهمة التي لا يؤجلها. تعني أنك لست بندًا مؤجلًا في جدول يومه، ولا خيارًا احتياطيًا يعود إليه عندما يفرغ من الجميع، بل شخصًا له مكانة خاصة تجعله حاضرًا حتى في أكثر الأوقات ازدحامًا.
والحقيقة أن الاهتمام ليس أن تراقب شخصًا في كل لحظة، ولا أن تحاصره بالأسئلة، ولا أن تفرض وجودك عليه باسم الحب. فالاهتمام الحقيقي أكثر رقيًا من ذلك بكثير. إنه شعور هادئ يمنح الطمأنينة لا الاختناق، ويمنح الأمان لا القلق. هو أن يشعر الإنسان أن هناك من يفكر فيه بصدق، ويخاف عليه بصدق، ويتمنى له الخير حتى في غيابه.
اقرأ أيضاً
اشرف محمدين يكتب:-باريس سان جيرمان - الهيمنة الناعمة في كرة القدم الحديثة
اشرف محمدين يكتب:-من اعتاد أن يتجاوز أحزانه بمفرده - لن يُرهقه رحيل أحد
اشرف محمدين يكتب : «الرحيل - ليس دائمًا كُرها - قد يكون وجعا »
اشرف محمدين يكتب:-لإسماعيلي - الصراعات هزمت التاريخ
اشرف محمدين يكتب:-التصالح مع النفس - حين يصبح العمر مجرد رقم
اشرف محمدين يكتب:-حين تتحول الزلازل إلى لغة… اتحاد الكرة بين كشف المستور وصناعة الأزمات
اشرف محمدين يكتب: «تجربتي مع الموت - بين العناية المركزة و العناية الإلهية»
منال منير تكتب : « عصر الشغل الذكي كيف يتحول ChatGPT من مجرد شاشة دردشة إلى شريك أرباحك في المنزل؟»
اشرف محمدين يكتب:-الفوز لا يُخدّر الوعي - والأهلي أكبر من مجرد انتصار
منال منير تكتب « صناعة الكورسات الرقمية بين المتعة التعليمية والتسويق المبالغ فيه»
منال منير تكتب « صناعة الكورسات الرقمية بين المتعة التعليمية والتسويق المبالغ فيه»
اشرف محمدين يكتب:-الإنسان لا يُقاس بجنسه - بل بالفعل الذي يتركه خلفه .
ولهذا السبب تخطئ بعض العلاقات طريقها حين يختلط مفهوم الاهتمام بمفهوم الامتلاك. فهناك من يظن أن الحب يعني السيطرة، وأن القرب يعني المراقبة، وأن الحرص يعني التدخل في كل التفاصيل. بينما الحقيقة أن الحب الناضج يمنح مساحة، والاهتمام الحقيقي يمنح راحة، والعلاقة الصحية تجعل الإنسان يشعر بأنه محبوب دون أن يشعر بأنه مقيد.
ومن أكثر الأشياء قسوة على النفس أن تمنح كل طاقتك العاطفية لمن يراك مجرد خيار مؤجل. أن تستهلك مشاعرك في محاولة إقناع شخص بقيمتك بينما هو لا يبذل الحد الأدنى من الجهد ليشعرك بأهميتك. أن تظل تركض خلف اهتمام لا يأتي، وتنتظر رسالة لا تُرسل، وتسعى لإثبات مكانتك لشخص كان يجب أن يدركها من البداية.
فالعلاقات العادلة لا تقوم على التضحية من طرف واحد، ولا على العطاء المستمر من قلب واحد، ولا على أن يكون أحد الطرفين دائم البحث والسؤال والاهتمام بينما يكتفي الآخر بالاستقبال. لأن الحب الذي يسير في اتجاه واحد يتحول مع الوقت إلى إرهاق، والعطاء الذي لا يجد تقديرًا يتحول إلى استنزاف، والاهتمام الذي لا يُقابل باهتمام يصبح عبئًا على صاحبه مهما كان صادقًا.
ومن يجعلُك أول اهتمامه لا يفعل ذلك لأنه مضطر، ولا لأنه لا يملك ما يشغله، بل لأنه اختارك بإرادته الكاملة. اختارك وسط الكثيرين، وفضّلك على الكثير من التفاصيل، ومنحك مساحة في قلبه لم تنتزعها بالقوة ولم تطلبها بالإلحاح. ولذلك فإن هذا النوع من الأشخاص لا يستحق فقط الامتنان، بل يستحق أن يُقابل بنفس القدر من التقدير والاهتمام.
لكن المؤسف أن بعض البشر لا يدركون قيمة النعم إلا بعد فقدانها. يعتادون الاهتمام حتى يظنوه حقًا مكتسبًا، ويعتادون السؤال حتى لا يعودوا يشعرون بقيمته، ويعتادون وجود الأشخاص الأوفياء حتى يتعاملوا معهم وكأنهم جزء ثابت من المشهد لا يمكن أن يغيب. ثم تأتي لحظة الرحيل، فيكتشفون متأخرين أن ما كانوا يعتبرونه أمرًا عاديًا كان في الحقيقة نعمة كبيرة لا تُقدر بثمن.
فالحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن القلوب لا ترحل فجأة، ولا تنطفئ بين ليلة وضحاها، وإنما تتعب تدريجيًا. تتعب من الانتظار، ومن التجاهل، ومن الشعور بأنها تبذل أكثر مما تتلقى. تتعب من أن تفهم الجميع بينما لا يجد من يفهمها، ومن أن تمنح الاهتمام باستمرار بينما لا تجد من يمنحها الشعور نفسه.
ولهذا، إذا وجدت في حياتك شخصًا يجعلك أول اهتمامه، فلا تتعامل مع ذلك على أنه أمر مضمون، ولا تختبر صبره بحجة الحب، ولا تؤجل تقديرك له إلى وقت قد لا يأتي. لأن المشاعر الصادقة تحتاج إلى رعاية كما تحتاج النباتات إلى الماء، وتحتاج إلى تقدير كما يحتاج الجهد إلى الاعتراف، وتحتاج إلى اهتمام متبادل حتى تستمر وتزدهر.
وفي النهاية، لا يُقاس الحب الحقيقي بعدد السنوات التي جمعت بين شخصين، ولا بعدد الكلمات التي تبادلاها، ولا بعدد الصور والذكريات، بل يُقاس بذلك الشعور العميق الذي يجعلك مطمئنًا إلى أنك لست وحيدًا في هذه الحياة. يُقاس بوجود شخص يضعك في قلب يومه لا في فراغ وقته، ويتذكرك قبل أن تذكّره، ويهتم بك قبل أن تطلب منه الاهتمام.
فاختر دائمًا من يراك أولوية لا احتمالًا، ومن يقدّرك حضورًا لا عادة، ومن يخشى فقدانك كما تخشى فقدانه. لأن أسمى أشكال الحب ليست أن تجد من يقول لك إنه يحبك، بل أن تجد من يثبت لك كل يوم، دون ضجيج أو استعراض، أنك أحد أهم الأشياء الجميلة في حياته.
ومن يفهم هذه الحقيقة جيدًا، سيدرك أن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن يحب، ليس الكلمات ولا الوعود، بل الاهتمام الصادق الذي يقول في صمتٍ عميق: “أنت مهم بالنسبة لي”… ومن كان كذلك، فحقه عليك أن يكون هو أيضًا من أهم اهتماماتك.










