السبت 17 أكتوبر 2026 01:42 مـ 5 جمادى أول 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب : « حين ياتي الوجع .. من حيث كان الامان »

أخبار مصر 2050

في هذه الحياة، نُرهق أنفسنا كثيرًا بمحاولات الحذر من الغرباء، نُقيم الحواجز، ونُجيد ارتداء الأقنعة، ونُتقن لعبة المسافات الآمنة، وكأن الخطر كله يأتي من خارج حدودنا، بينما الحقيقة التي لا نُدركها إلا متأخرين، أن أشد ما يمكن أن يُصيب القلب لا يأتي أبدًا من بعيد، بل يتسلل إليه بهدوء من أقرب نقطة ظنناها يومًا حصنًا لا يُخترق.

فنحن لا نُسلّم قلوبنا دفعةً واحدة، بل نفعل ذلك تدريجيًا، مع كل موقف احتواء، وكل كلمة طمأنينة، وكل لحظة صدق نعتقد أنها لا تُشبه سواها، حتى نجد أنفسنا — دون أن نشعر — قد وضعنا أثمن ما نملك بين يدي شخصٍ واحد، منحناه حق الاطمئنان على نبضاتنا، وكأننا نوقّع عقدًا غير مكتوب بأن هذا القلب في أمانٍ ما دام في جواره.

لكن الوجع، يا صديقي، لا يطرق الأبواب المغلقة، ولا يُجيد الدخول من النوافذ المحصنة، بل ينتظر فقط تلك اللحظة التي نُخفض فيها حذرنا، ونسمح فيها لأحدهم أن يرى ضعفنا دون خوف، فيدخل إلينا لا كغريبٍ نخشاه، بل كقريبٍ نأمنه، وهنا تحديدًا… يصبح الألم ممكنًا، بل محتملًا، بل أحيانًا حتميًا.

فنحن لا نتألم لأن أحدهم أساء إلينا فحسب، بل لأن هذا الأحد كان يعرف جيدًا كيف لا يُسيء، وكان يملك من القرب ما يكفي ليختار بعناية أن يكون ملاذًا لا سببًا في الانكسار، ومع ذلك، يحدث ما لا نتوقعه، فنجد أنفسنا نُعيد ترتيب داخلنا بعد صدمةٍ لم تكن في الحسبان، ونُحاول فهم كيف يمكن لقلبٍ كان يومًا مصدر طمأنينتنا أن يتحول — دون إنذار — إلى مصدر ارتباكنا ووجعنا.

والحقيقة التي قد لا نحب الاعتراف بها، أن الوجع لا يكون موجعًا إلى هذا الحد إلا إذا جاء من مكانٍ آمن، من قلبٍ وثقنا فيه أكثر مما ينبغي، ومن علاقةٍ اعتقدنا أنها استثناء لا يخضع لقوانين الخذلان المعتادة، لذلك حين ينكسر هذا التصور، لا ينكسر معه الشعور فقط، بل تنكسر تلك الصورة التي رسمناها في داخلنا عن الأمان ذاته.

ومع كل ذلك، وبرغم كل ما نتعلمه من تجارب، نظل نُغامر مرةً أخرى، لا لأننا سُذّج أو لأننا لم نفهم الدرس، بل لأن طبيعة القلب لا تحتمل العيش خلف الجدران طويلًا، ولأننا — في أعمق أعماقنا — نُدرك أن الحياة بلا ثقة، حتى وإن كانت محفوفة بالألم، تظل أقل قسوة من حياةٍ بلا احساس وفي النهاية، لا يبقى في القلب من الحكايات إلا ما كُتب بصدق، ولا يبقى من الناس إلا أثرهم حين يسقط كل شيءٍ آخر، وحين تهدأ الضوضاء وتغيب الكلمات، يظل الشعور وحده شاهدًا لا يكذب، يخبرنا — دون تجميل — من كان أمانًا حقيقيًا، ومن كان مجرد وهمٍ جميلٍ ارتدينا ملامحه حتى صدّقناه.

فالوجع الذي يأتي من القلوب التي ائتمنّاها، ليس مجرد ألمٍ عابر يمكن تجاوزه ببعض الوقت، بل هو مراجعة كاملة لأنفسنا، لثقتنا، لطريقتنا في الحب، ولتعريفنا ذاته لمعنى الأمان، لأننا حين نُصاب من الداخل، لا نُعيد فقط ترميم مشاعرنا، بل نُعيد بناء مفاهيم كاملة كنا نظنها ثابتة لا تتغير.

نكتشف، ولو بعد حين، أن الأمان لم يكن في الآخرين كما تصورنا، بل في قدرتنا نحن على التوازن، في ألا نذوب حدّ الفقد، ولا نُسلّم أنفسنا حدّ الغياب، في أن نحب بصدق، نعم، ولكن بوعيٍ لا يُلغينا، وبقلبٍ مفتوح، ولكن بعقلٍ لا يغيب، لأن الخلل لم يكن يومًا في الحب ذاته، بل في الإفراط الذي يجعلنا نضع كل نبضنا في يدٍ واحدة، وكأن الحياة لا تحتمل احتمال الفقد.

وربما أقسى ما في الأمر، أن الذي يوجعك أكثر، لم يكن عدوًا يومًا، بل كان أقرب الناس إلى تفاصيلك، يعرف جيدًا كيف تُحِب، وكيف تخاف، وكيف تُسامح، ولذلك حين يأتي منه الجرح، لا يأتي كطعنةٍ مفاجئة، بل كصدمةٍ بطيئة، تُربكك، لا لأنك لم تتوقع الألم، بل لأنك لم تتخيل أبدًا أن يكون مصدره هو.

لكن، ورغم كل هذا الثقل، يبقى في داخلنا شيءٌ لا ينكسر، شيءٌ يُصرّ — في عنادٍ جميل — أن الحياة لا تُقاس بعدد ما فقدناه، بل بقدرتنا على الاستمرار، وعلى إعادة المحاولة دون أن نفقد إنسانيتنا، ودون أن نتحول إلى نسخٍ قاسية من أنفسنا، لأن أسوأ ما قد يفعله بنا الوجع، ليس أنه يُحزننا، بل أن يُغيّرنا إلى ما لم نكن نريد أن نكونه.

لذلك، لا تخف من أن تُحِب مرةً أخرى، ولا تخجل من قلبك إن تألم، فالقلب الذي يعرف الوجع، يعرف أيضًا كيف يُقدّر الصدق حين يجده، وكيف يُميّز بين من يستحق البقاء ومن لا يستحق حتى الذكرى، وتلك — في حد ذاتها — ليست خسارة، بل نوعٌ آخر من النجاة.

وفي لحظة صفاءٍ صادقة، ستفهم أن كل ما حدث، رغم قسوته، لم يكن ليُطفئك، بل ليُعيدك إلى نفسك، أكثر وعيًا، أكثر هدوءًا، وأقل اندفاعًا، لكنه — وهذا هو الأهم — لم ينتزع منك قدرتك على الإحساس، لأن بقاء القلب حيًا، رغم كل ما مرّ به، هو الانتصار الوحيد الذي لا يُرى… لكنه يُشعر

اشرف محمدين المقالات ⇧

مواقيت الصلاة

السبت 01:42 مـ
5 جمادى أول 1448 هـ 17 أكتوبر 2026 م
مصر
الفجر 04:31
الشروق 05:58
الظهر 11:40
العصر 14:56
المغرب 17:23
العشاء 18:40