الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 11:13 صـ 8 جمادى أول 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب : « حين تسقط الأخلاق - قبل أن تسقط الكرة »

أخبار مصر 2050

ما فعله ناصر منسي، من بصق في وجه مدربه وإلقاء قميص الفريق ليس مجرد انفعال عابر داخل ملعب كرة قدم، ولا موقفًا يمكن تبريره بالغضب أو الاختلاف في وجهات النظر، بل هو جرس إنذار يستحق التوقف أمامه طويلًا؛ لأن القضية هنا تتجاوز لاعبًا ومدربًا، وتمتد إلى مفهوم الأخلاق الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في الرياضة، مهما اشتعلت المنافسة، ومهما تصاعدت الضغوط.

فالرياضة لم تُخلق لتصنع أبطالًا بالأقدام وحدها، وإنما لتبني شخصيات تعرف كيف تنتصر دون غرور، وكيف تخسر دون انكسار، وكيف تختلف دون أن تتجاوز حدود الاحترام. وإذا كان من حق اللاعب أن يغضب، وأن يعترض، وأن يشعر بالظلم أحيانًا، فليس من حقه أن يحوّل غضبه إلى إهانة، أو أن يجعل من انفعاله مبررًا لإهدار كرامة إنسان آخر.

المدرب ليس معصومًا من الخطأ، واللاعب ليس مطالبًا بأن يتنازل عن حقه في إبداء رأيه، لكن ثمة فارقًا جوهريًا بين الاعتراض المشروع والتجاوز المرفوض. فالاختلاف يمكن أن يُناقش، والقرارات الفنية يمكن مراجعتها، والحقوق يمكن المطالبة بها، أما الإهانة فلا تصنع حقًا، والبصق لا يثبت قوة شخصية، وإلقاء قميص الفريق لا يعبر عن الغيرة على الشعار الذي يرتديه صاحبه، بل يضع علامات استفهام حول معنى الانتماء لديه.

وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة لا تقبل التأويل: اللاعب المحترم المحترف يجب أن يكون رد فعله صفرًا من التجاوزات عندما يجد نفسه خارج التشكيل أو بعيدًا عن حسابات مدربه؛ فلا اعتراض مهين، ولا انفعال مرفوض، ولا محاولة لفرض الأمر الواقع. فالرد الحقيقي للاعب الذي يرى أنه يستحق المشاركة لا يكون بالصوت المرتفع، ولا بإهانة مدربه، ولا بإلقاء قميص ناديه، وإنما بالاجتهاد وحده؛ بالالتزام في التدريبات، وتطوير مستواه، وإثبات أحقيته داخل الملعب. فالتشكيل قرار فني للمدرب، والمشاركة تُكتسب بالأداء، أما احترام المؤسسة والانضباط فهما واجب لا يتغير بتغير الظروف. ومن يثق في قدراته لا يحتاج إلى أن يفرض نفسه بالغضب، بل يترك أداءه يتحدث عنه، ويجعل من استبعاده دافعًا للتطور لا مبررًا للتجاوز. إذا كنت ترى أنك تستحق اللعب، فأثبت ذلك بقدميك لا بانفعالاتك؛ فالملعب هو ساحة إثبات الذات، وليس الغضب وسيلة لانتزاع الحقوق.

والأخطر من التصرف نفسه أن يتحول إلى مشهد عابر في ذاكرة الجماهير، أو أن يجد من يبرره بدعوى العصبية والانفعال، وكأن موهبة اللاعب تمنحه حصانة أخلاقية، أو كأن ما يقدمه داخل المستطيل الأخضر يعفيه من مسؤولية ما يفعله خارجه أو داخله.

وهنا يجب أن نتذكر أن اللاعب المحترف لا يمثل نفسه وحده؛ إنه يمثل ناديًا وجماهير وتاريخًا وشعارًا، كما أنه يقدم نموذجًا يراه آلاف الشباب الذين قد يقلدون حركاته قبل أن يفهموا نتائجها. فكيف نطالب أبناءنا باحترام المعلم، وتقدير الكبير، وضبط النفس عند الغضب، ثم نتهاون مع تجاوزات تصدر عن نجوم يفترض أنهم قدوة في الالتزام والانضباط؟

إن قيمة اللاعب الحقيقية لا تُقاس بعدد الأهداف التي يسجلها فقط، ولا بحجم البطولات التي يحققها، وإنما أيضًا بقدرته على احترام زملائه ومدربيه، والتزامه بقواعد المؤسسة التي ينتمي إليها، وامتلاكه الشجاعة للاعتراف بالخطأ عندما يتجاوز.

وفي المقابل، فإن التعامل مع مثل هذه الوقائع يجب أن يقوم على العدالة لا على تصفية الحسابات، وعلى اللوائح لا على الأهواء. فلا بد من التحقق من تفاصيل الواقعة وسماع الأطراف المعنية، ثم اتخاذ الإجراء المناسب إذا ثبت التجاوز، دون تهويل أو تهاون، ودون أن تتحول المحاسبة إلى استعراض إعلامي أو عقوبة انتقائية.

فالاحتراف ليس عقدًا ماليًا فقط، وليس شهرة وأضواء ومكافآت؛ الاحتراف مسؤولية، وانضباط، واحترام لقواعد اللعبة وللآخرين. ومن لا يستطيع السيطرة على انفعالاته في لحظة غضب، يحتاج إلى أن يدرك أن الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة بطل حقيقي.

إننا لا نحتاج إلى لاعبين يعرفون كيف يضعون الكرة في الشباك فحسب، بل إلى رياضيين يعرفون كيف يحفظون كرامة الإنسان، وكيف يختلفون دون إساءة، وكيف يدركون أن قميص النادي ليس قطعة قماش تُلقى عند الغضب، بل أمانة يرتديها اللاعب ويمثل بها جماهير ومؤسسة وتاريخًا.

فالكرة قد تصنع نجمًا، والبطولات قد تصنع بطلًا، لكن الأخلاق وحدها هي التي تصنع قدوة. وحين يصبح الانتصار مبررًا للتجاوز، أو تصبح الموهبة ذريعة للغرور، فإن الخسارة الحقيقية لا تكون في نتيجة مباراة، بل في المعنى الذي من أجله وُجدت الرياضة

اشرف محمدين المقالات ⇧

مواقيت الصلاة

الثلاثاء 11:13 صـ
8 جمادى أول 1448 هـ 20 أكتوبر 2026 م
مصر
الفجر 04:33
الشروق 06:00
الظهر 11:40
العصر 14:54
المغرب 17:20
العشاء 18:37