اشرف محمدين يكتب : « بعض القلوب - تداوي أوجاعها بالاعتياد »
ليست كل الجراح تُشفى كما نحب أن نصدق، ولا كل الأوجاع تجد طريقها إلى العلاج مهما بحثنا لها عن مخرج، فهناك قلوب — حين تُرهقها الخيبات المتكررة، وتُثقلها الصدمات التي لم تكن في الحسبان، وتخذلها التوقعات التي بنت عليها أحلامها — لا تجد ملاذًا حقيقيًا إلا في شيء واحد يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه في حقيقته معقّد ومؤلم… الاعتياد، ليس لأن الألم اختفى، ولا لأن الجرح التأم، ولكن لأن الروح نفسها تعبت من المقاومة، واستنزفت كل طاقتها في محاولة النجاة.
فالاعتياد هنا لا يُمكن أن نعتبره قوة كما يظن البعض، بل هو في كثير من الأحيان وسيلة بقاء أخيرة، يلجأ إليها القلب حين لا يعود قادرًا على البكاء بنفس الحرارة، ولا يملك رفاهية المواجهة من جديد، فيختار — في صمت — أن يتعايش، لا أن ينتصر، وأن يُخدّر وجعه بدل أن يُغامر بمحاولة علاجه مرة أخرى.
هناك قلوب لا تصرخ حين تُجرَح، ولا تُعلن الحداد على ما خسرته، ولا تتوقف طويلًا عند محطات الألم، بل تمضي في طريقها وكأن شيئًا لم يكن، بينما بداخلها تدور حرب صامتة لا يسمع صوتها أحد، ولا يلمح آثارها إلا من اقترب كثيرًا… وربما لم يقترب أحد بالقدر الكافي.
الاعتياد هو أن تتألم دون ضجيج، أن تستيقظ كل يوم وعلى صدرك ثقل لا تملك تفسيره، ثم تمارس حياتك بشكل طبيعي، تبتسم، تجامل، تؤدي دور الإنسان المتماسك بإتقان شديد، بينما في الداخل يحدث شيء مختلف تمامًا، حيث يتعلم قلبك — يومًا بعد يوم — كيف يُخفض سقف توقعاته، وكيف يتوقف عن الانتظار، وكيف يقلل طلباته، بل وكيف يُعيد تعريف الثقة حتى لا ينكسر مرة أخرى.
اقرأ أيضاً
اشرف محمدين يكتب : « حين تسقط الأخلاق - قبل أن تسقط الكرة »
اشرف محمدين يكتب : « حين ياتي الوجع .. من حيث كان الامان »
اشرف محمدين يكتب : « حين ياتي الوجع .. من حيث كان الامان »
اشرف محمدين يكتب : « القطبين - اكبر من النتيجة »
اشرف محمدين يكتب : « المحاولة الاخيرة »
اشرف محمدين يكتب : حسام حسن خسر المعركة قبل المباراة
اشرف محمدين يكتب : حسام حسن خسر المعركة قبل المباراة
اشرف محمدين يكتب : حسام حسن خسر المعركة قبل المباراة
اشرف محمدين يكتب :« خسارة البعض - مكسب »
اشرف محمدين يكتب : « منتخب مصر.. حين تصبح الكلمة أخطر من القرار »
اشرف محمدين يكتب : « الانتصار في الخلاف - قد يكون هزيمة للزواج »
اشرف محمدين يكتب : « صلاح - ما زال يكتب التاريخ »
ونحن في الحقيقة لا نعتاد الألم لأننا نحبّه، ولا لأننا وجدنا فيه راحة، ولكن لأننا أدركنا — بعد تجارب قاسية — أن المقاومة المستمرة تُنهك أكثر من الجرح نفسه، فاختارت بعض القلوب أن تُسكِت الألم بدل أن تهزمه، وأن تتعايش معه بدل أن تُرهق نفسها في معركة قد لا تُكسبها شيئًا سوى مزيد من الخسائر.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في الألم، بل في الثمن الذي يُدفع مقابل هذا الاعتياد، فمع مرور الوقت لا يصبح الوجع أقل حدّة فقط، بل يصبح الإحساس نفسه أقل حضورًا، فتبهت الدهشة، ويخفت الحماس، ويتحول الإنسان إلى كائن يعبر على الأشياء دون أن يتورط فيها شعوريًا كما كان من قبل، وهنا تحديدًا ندخل تلك المنطقة الرمادية التي لا نحن فيها بخير كامل، ولا نحن في ألم صريح… فقط حالة بينهما، أشبه بالحياة المؤجلة.
وهناك فرق كبير — بل شاسع — بين قلب شُفي فعاد نابضًا كما كان، وبين قلب اعتاد الألم فتعلم كيف يعيش بهدوء وهو ينزف من الداخل، فالأول انتصر، أما الثاني فقد اكتفى بالنجاة، وهي نجاة لا تخلو من حزن نبيل، حزن إنسان أحب بصدق، ومنح بإخلاص، وانتظر بلهفة، ثم اكتشف متأخرًا أن بعض الأشياء لا تعود، وأن بعض العلاقات لا تُرمم، وأن القلب — مهما كان قويًا — لا يجب أن يُستنزف حتى آخر نبضة فيه.
الاعتياد قد يُنقذ القلب مؤقتًا من الانهيار، لكنه لا يعيد إليه بريقه القديم، فهو أشبه بضماد طويل الأمد يوقف النزيف، لكنه لا يعيد الجسد إلى حالته الأولى، ولذلك نجد تلك القلوب التي لم تتحول إلى قاسية رغم كل ما مرت به، لكنها أصبحت أكثر حذرًا، أكثر صمتًا، أقل طلبًا، وكأنها تعلّمت أن تحب بحدود، وأن تقترب بحساب، وأن تحمي نفسها حتى من مشاعرها.
قد لا تتعافى بعض القلوب بالشفاء الحقيقي الذي نحلم به، لكنها تنجو بطريقة مختلفة، تنجو لأنها قررت أن تُخفف التوقعات، وأن تُقلل التعلّق، وأن تضع مسافة آمنة بينها وبين كل ما قد يعيد إليها الألم، تنجو لأنها فهمت أن الاعتياد — رغم قسوته — أحيانًا أرحم من الانتظار، وأصدق من الأمل الكاذب.
وهكذا نمضي في هذه الحياة، نحمل أوجاعنا بهدوء، ونُخفي شروخنا بابتسامة، ونُكمل الطريق لا لأننا بلا ألم، ولكن لأننا تعلّمنا كيف لا ندعه يهزمنا، فليست كل النجاة في الشفاء… أحيانًا تكون النجاة الحقيقية في أن تعتاد الألم، دون أن تفقد إنسانيتك. وفي لحظة صفاء نادرة، قد يكتشف الإنسان أن أخطر ما فعله به الألم… ليس أنه كسره، بل أنه علّمه كيف يعيش مكسورًا دون أن يطلب النجدة، وكيف يبتسم وهو فاقدٌ لجزءٍ أصيل من روحه، وكيف يُقنع نفسه أن هذا الفتور سلام، وأن هذا الصمت راحة، بينما الحقيقة الأعمق — والتي لا يعترف بها إلا في عزلته — أن الاعتياد لم يكن شفاءً، بل كان تأجيلًا طويلًا للوجع، وهدنة مؤقتة مع قلبٍ لم تُكتب له فرصة التعافي الكامل.
و في النهاية - ربما تكون المأساة الأشد قسوة أن بعض القلوب لا تعود تبحث عن السعادة كما كانت، ولا تحلم بنفس البراءة، بل تكتفي بأن تمرّ الأيام دون خسائر جديدة، وكأن أقصى طموحها لم يعد أن تعيش، بل أن تنجو فقط، وهنا يتحول الإنسان — دون أن يشعر — من كائنٍ كان يركض خلف الحياة بشغف، إلى آخر يكتفي بالسير على أطرافها بحذر، يخشى أن يلمس الفرح كثيرًا… فيوقظه الألم من جديد.
ومع ذلك، يظل داخل كل قلبٍ اعتاد… بقايا حلم صغير، يكاد لا يُرى، لكنه لا يموت، ينتظر لحظة صدق، أو دفء حقيقي، أو أمان لم يُجرّب من قبل، ليُعيد إليه ما فقده، فحتى أكثر القلوب اعتيادًا للألم… لا تفقد تمامًا قدرتها على الإحساس، لكنها فقط تؤجلها… حتى تجد من يستحقها







