حرب الزيارات الرقمية.. Daily Mail تهاجم جوجل بسبب ذكاءها الاصطناعي


تشهد الساحة الإعلامية والتكنولوجية في بريطانيا أزمة متصاعدة بين كبرى المؤسسات الصحفية وشركة جوجل، وذلك بعدما اتهمت مجموعة DMG Media – المالكة لصحف عالمية مثل Daily Mail و Metro و New Scientist – عملاق التكنولوجيا الأمريكي بالتسبب في "انهيار كارثي" في معدلات الزيارات القادمة من محرك البحث، بسبب إطلاق ميزة Google AI Overviews.
القصة من البداية
منذ أن طرحت جوجل خاصية الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي داخل نتائج البحث، بدأ العديد من الناشرين حول العالم يشكون من تراجع كبير في حركة المرور (Traffic) المتدفقة إلى مواقعهم الإلكترونية. لكن الوضع أصبح أكثر وضوحًا عندما كشفت DMG Media عن أرقام صادمة ضمن مذكرة رسمية قدمتها إلى هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (CMA).
فوفقًا للمذكرة، كانت نسبة النقر على الروابط من نتائج البحث العادية عبر أجهزة الكمبيوتر تصل إلى 25.2%، لكن مع ظهور إجابات الذكاء الاصطناعي انخفضت إلى 2.8% فقط، أي بتراجع وصل إلى 89%!
أما على الهواتف المحمولة، فقد كان التراجع 87%، وهو ما يعني ضربة موجعة لوسائل الإعلام التي تعتمد بشكل أساسي على الزيارات القادمة من محركات البحث لتوليد عوائدها الإعلانية.
اتهامات مباشرة لجوجل
لم يتوقف هجوم Daily Mail عند هذا الحد، بل اتهمت جوجل بأنها تمنح أولوية غير عادلة لمحتوى يوتيوب – المملوك لها – داخل ملخصات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفاقم خسائر المواقع الإخبارية التقليدية.
كما رفضت المجموعة ادعاءات جوجل بأن الزيارات الناتجة عن AI Overviews أكثر "جودة"، حيث أكدت الأرقام أن المستخدمين الذين يصلون عبر تلك الميزة يمكثون وقتًا أقصر داخل موقع Mail Online مقارنة بالزوار القادمين من البحث التقليدي.
مستقبل الإعلام في خطر؟!
تعتبر هذه الأزمة نقطة تحول كبيرة في العلاقة بين الصحافة وشركات التكنولوجيا الكبرى. فالمعادلة واضحة: إذا استمرت جوجل في تقليص الزيارات للمواقع، فإن نموذج الأعمال القائم على الإعلانات الرقمية مهدد بالانهيار.
لذلك طالبت DMG بضرورة إخضاع منتجات جوجل الحديثة – مثل روبوت المحادثة Gemini وخدمة Google News – لقواعد "الوضع السوقي الاستراتيجي"، وهو تصنيف تنظيمي يتيح للهيئة البريطانية فرض التزامات صارمة على جوجل، أهمها منح الناشرين قدرة أكبر على التحكم في طريقة عرض محتواهم داخل نتائج البحث.
رد جوجل:
من جانبها، رفضت جوجل هذه الاتهامات، واعتبرت أن الإجراءات التنظيمية المقترحة "تخلق حالة من عدم اليقين" وتؤثر على قراراتها بشأن إطلاق منتجات جديدة في بريطانيا. الشركة ترى أن الذكاء الاصطناعي يساعد المستخدمين في الحصول على إجابات أسرع وأكثر دقة، لكن الصحف ترى أن هذا يأتي على حساب بقائها واستمراريتها.
المواجهة تقترب من المحاكم
مع تصاعد حدة الخلاف، يترقب الخبراء ما إذا كان الصراع سيتحول إلى مواجهة قانونية طويلة الأمد، قد تعيد رسم شكل العلاقة بين الإعلام والذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، وليس فقط في بريطانيا.
فالناشرون يؤكدون أنهم لا يعارضون التكنولوجيا، لكنهم يطالبون بالإنصاف وضمان عدم تهميش الصحافة أمام خوارزميات عملاق البحث.
هل تتكرر الأزمة في مصر والعالم العربي؟
ورغم أن الأزمة تبدو أوروبية الطابع حتى الآن، إلا أن تداعياتها قد تصل إلى المنطقة العربية أيضًا. فالكثير من المواقع الإخبارية في مصر والشرق الأوسط تعتمد على جوجل كمصدر رئيسي لحركة المرور، وأي تغيير في طريقة عرض النتائج قد ينعكس مباشرة على إيرادات الإعلانات الرقمية.
وبالتالي، فإن النقاش الدائر في بريطانيا قد يكون بمثابة "جرس إنذار" للمواقع العربية للاستعداد لمستقبل قد تسيطر فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي على طرق الوصول إلى المحتوى.
المعركة بين Daily Mail وجوجل ليست مجرد خلاف تقني، بل هي معركة وجود للصحافة الرقمية التي تبحث عن الحفاظ على مكانتها وسط طوفان من الابتكارات التكنولوجية.
ومع إصرار الناشرين على التصعيد، وتمسك جوجل بموقفها، يبدو أننا أمام مواجهة قد تغيّر ملامح الصحافة الإلكترونية عالميًا.