اشرف محمدين يكتب : « الكرامة لا تصفع- و النشء لا يهان»
ليست كل البطولات التي نخوضها في الحياة تُقاس بالميداليات، وليست كل الهزائم التي نتعرض لها تُسجَّل على لوحات النتائج؛ فهناك هزائم تقع في أعماق النفوس، حين يتعلم الإنسان أن كرامته أمر قابل للتفاوض، وأن الإهانة يمكن تبريرها إذا صدرت ممن يملك سلطة عليه، أو ممن ينتظر منه أن يصنع له مستقبلًا أفضل.
لقد أثارت واقعة صفع مدرب تنس طاولة لإحدى اللاعبات تساؤلات تتجاوز حدود الملعب، وتفتح الباب أمام قضية تربوية وأخلاقية شديدة الأهمية: كيف نربي أبناءنا على الأدب والانضباط واحترام الآخرين، دون أن نسمح لأحد بأن يجعل من هذه القيم وسيلة للانتقاص من كرامتهم؟
لا خلاف على أن الرياضة مدرسة للأخلاق، وأن المدرب صاحب دور تربوي لا يقل أهمية عن دوره الفني، وأن اللاعب الناشئ يحتاج إلى التوجيه والتقويم والالتزام. لكن ثمة فارقًا جوهريًا بين أن تُعلِّم أبناءنا احترام القواعد، وأن تُخضعهم للإهانة باسم الانضباط؛ وبين أن تصحح أخطاءهم، وأن تجعل من كرامتهم ثمنًا لتصحيحها.
فالمدرب الذي يرفع يده على وجه لاعبته لا يعاقب خطأً فنيًا فحسب، بل يرسل رسالة تتجاوز حدود اللحظة؛ رسالة مفادها أن من يملك القوة أو السلطة يستطيع أن يتجاوز الحدود، وأن من يقف أمامه مطالب بالقبول والصمت.
اقرأ أيضاً
اشرف محمدين يكتب : « الرحيل - ليس جريمة»
أشرف محمدين يكتب : « الكرة الذهبية - هل يفوز الأفضل دائمًا؟»
اشرف محمدين يكتب : « بعض القلوب - تداوي أوجاعها بالاعتياد »
اشرف محمدين يكتب : « حين تسقط الأخلاق - قبل أن تسقط الكرة »
اشرف محمدين يكتب : « حين ياتي الوجع .. من حيث كان الامان »
اشرف محمدين يكتب : « حين ياتي الوجع .. من حيث كان الامان »
اشرف محمدين يكتب : « القطبين - اكبر من النتيجة »
اشرف محمدين يكتب : « المحاولة الاخيرة »
اشرف محمدين يكتب : حسام حسن خسر المعركة قبل المباراة
اشرف محمدين يكتب : حسام حسن خسر المعركة قبل المباراة
اشرف محمدين يكتب : حسام حسن خسر المعركة قبل المباراة
اشرف محمدين يكتب :« خسارة البعض - مكسب »
والصفع على الوجه ليس مجرد اعتداء جسدي عابر؛ إنه في دلالته الإنسانية إهانة بالغة، لأن الوجه يرتبط بكرامة الإنسان وصورته أمام نفسه وأمام الآخرين. ولا يغير من حقيقة الإهانة أن يكون المعتدي مدربًا، أو معلمًا، أو صاحب منصب، أو شخصًا أسهم يومًا في نجاح من اعتدى عليه. فالفضل لا يمنح صاحبه حق الإذلال، والخبرة لا تمنح صاحبها سلطة على كرامة الآخرين.
وإذا كان من حق المدرب أن يحاسب لاعبته على تقصيرها، فمن حقها أيضًا أن تتلقى المحاسبة في إطار من الاحترام، وأن تتعلم أن الخطأ له عواقب، لكن ليس من بينها أن تصبح كرامتها مباحة. فالرياضة التي تصنع بطلة في المنافسات، ولا تصنع إنسانًا يعرف قيمة نفسه، لم تحقق رسالتها كاملة.
لكن السؤال الأكثر إيلامًا يظهر حين نجد من يفترض أن يكونوا خط الدفاع الأول عن الأبناء يقفون في الجانب الآخر من القضية، فيدافعون عن الشخص الذي أهانهم، أو يبحثون عن مبررات لسلوكه، وكأن مكانته أو خبرته أو قدرته على صناعة مستقبل رياضي تبرر ما حدث.
إن موقف الأم في مثل هذه الوقائع يحتاج إلى تأمل تربوي عميق، لا إلى إصدار أحكام على نواياها؛ فقد تختلف الدوافع، وقد يختلط الحرص على مستقبل الابنة بالخوف من ضياع الفرصة، أو الاعتقاد بأن الشدة جزء من صناعة الأبطال. لكن النتيجة التي ينبغي الحذر منها هي أن تشعر الابنة بأن كرامتها أقل أهمية من استمرارها في التدريب، وأن رضا صاحب السلطة مقدَّم على حقها في الحماية والاحترام.
فالأم لا تحمي ابنتها حين تقنعها بأن الإهانة أمر يمكن احتماله، وإنما تحميها حين تعلمها كيف تميز بين النقد المشروع والاعتداء، وبين الانضباط والإذلال، وبين احترام أصحاب الخبرة والتنازل لهم عن الحقوق.
والأخطر أن يتكرر هذا الدرس في حياة الابنة دون أن تشعر؛ فتتعلم أن تسكت حين تُهان، وأن تبحث عن الأعذار لمن يتجاوز في حقها، وأن تخشى الاعتراض حتى لا تخسر فرصة أو علاقة أو مستقبلًا كانت تحلم به. وقد تحمل هذا التصور معها إلى علاقاتها اللاحقة، فتقبل ما لا ينبغي قبوله، وتتنازل عما لا يجوز التنازل عنه، لا لأنها ضعيفة بالضرورة، بل لأنها لم تتعلم منذ البداية أن احترام الآخرين لا يتعارض مع احترام الذات.
وهنا تكمن خطورة التربية الخاطئة؛ فهي لا تصنع موقفًا عابرًا فحسب، بل قد تزرع في النفس قاعدة تحكم سلوكها لسنوات: أن الحفاظ على العلاقة أهم من الحفاظ على الكرامة، وأن خسارة الفرصة أشد ألمًا من خسارة احترام الذات.
وما أبعد الفرق بين أم تقول لابنتها: تحملي الإهانة حتى تصلي إلى حلمك، وأم تقول لها: اجتهدي، والتزمي، واحترمي مدربك، لكن لا تسمحي لأحد أن يقنعك بأن حلمك لا يتحقق إلا بالتنازل عن كرامتك.
الأولى قد تحافظ على فرصة مؤقتة، لكنها تخاطر بأن تزرع في ابنتها مفهومًا مشوهًا عن الاستحقاق. أما الثانية فتعلمها أن النجاح الحقيقي لا يقوم على الخوف، وأن الطاعة ليست فضيلة مطلقة، وأن احترام الكبير لا يعني قبول ظلمه، وأن الإنسان يستطيع أن يكون مهذبًا ومنضبطًا، وفي الوقت نفسه قويًا في الدفاع عن حقوقه.
إننا لا نربي أبناءنا لكي يصبحوا متمردين على كل سلطة، ولا لكي يرفضوا النقد أو يعتقدوا أنهم فوق المحاسبة؛ بل نربيهم لكي يعرفوا حدودهم وحدود الآخرين، ويفهموا أن الأدب لا يعني الضعف، وأن الاحترام لا يعني الخضوع، وأن الاعتذار عن الخطأ شجاعة، أما تبرير الإهانة خوفًا من صاحبها فليس من الحكمة في شيء.
ومن هنا، فإن إيقاف المدرب، إذا ثبتت الواقعة واتُّخذ القرار وفق الإجراءات المعمول بها، ليس مجرد إجراء إداري يتعلق بمخالفة داخل الملعب، بل هو تأكيد على أن للمؤسسات الرياضية مسؤولية أخلاقية وتربوية، وأن صناعة الأبطال لا يجوز أن تتحول إلى غطاء لتجاوزات تمس كرامة الناشئين.
فالطفل أو اللاعب الناشئ لا يحتاج فقط إلى مدرب يطور مهاراته، بل إلى بيئة آمنة يتعلم فيها أن الاجتهاد طريق النجاح، وأن الخطأ فرصة للتعلم، وأن العقاب له حدود، وأن كرامة الإنسان ليست امتيازًا يمنحه الأقوى لمن يشاء، بل حق أصيل لا يسقط بسبب ضعف السن أو اختلاف المكانة.
إن البطولة الحقيقية ليست أن نُخرج لاعبًا قادرًا على الفوز بالمباريات، وإنما أن نُخرج إنسانًا يعرف كيف يفوز دون غرور، وكيف يخسر دون انكسار، وكيف يحترم الآخرين دون أن يسمح لهم بإهانته.
فلا تجعلوا الميدالية أغلى من الإنسان، ولا تجعلوا حلم البطولة مبررًا لإهدار الكرامة.
قد تنتهي مباراة، وقد تضيع بطولة، وقد يتغير مدرب ويأتي غيره، لكن ما يُزرع في نفوس أبنائنا اليوم قد يصاحبهم طوال العمر. فلنحرص أن نزرع فيهم الأدب دون خوف، والتواضع دون انكسار، والاحترام دون خضوع، وأن نعلمهم أن التسامح فضيلة حين يكون اختيارًا حرًا، لا حين يتحول إلى واجب يُفرض على من تعرض للإهانة.
فمن يحب أبناءه حقًا لا يعلمهم كيف يتحملون الإذلال، بل كيف يواجهون الحياة بخلق كريم ونفس عزيزة؛ لأننا قد نختلف على أساليب التربية، وقد نتباين في طرق صناعة الأبطال، لكننا لا ينبغي أن نختلف على حقيقة واحدة: أن الكرامة لا تُصفع، وأن من واجبنا أن نربي أبناءنا على صونها، لا على الاعتياد على فقدانها











