اشرف محمدين يكتب:-الإنسان لا يُقاس بجنسه - بل بالفعل الذي يتركه خلفه .
هناك في الحياة، وفي عمق المجتمعات، وفي طبقات التفكير الجمعي التي تتوارثها الأجيال دون مراجعة كافية، أفكارٌ تبدو في ظاهرها بديهية، لكنها حين تُفكك بهدوء تظهر فيها شروخ غير مرئية من عدم العدالة، ومن أبرز هذه الأفكار تلك التي تحاول أن تمنح الخطأ أو الخطيئة لونًا وجنسًا، فتُقال أحيانًا بوعي أو دون وعي عبارات توحي بأن هناك خطيئة تُغتفر إذا صدرت من الرجل، بينما تتحول ذات الخطيئة إلى وصمة مضاعفة إذا صدرت من المرأة، وكأن الفعل الإنساني ذاته يتغير حكمه بتغير جنس فاعله، رغم أن جوهر الفعل واحد، وأن ميزان الخطأ لا يعرف هذا الانقسام الصارم الذي صنعه البشر أكثر مما صنعته القيم.
إن الخطأ في حقيقته ليس ذكرًا ولا أنثى، بل هو سلوك إنساني مجرد من كل التصنيفات البيولوجية والاجتماعية، وهو حين يحدث فإنه يعكس لحظة ضعف أو غياب وعي أو انحراف قرار، لا علاقة له بهوية الفاعل بقدر ما له علاقة بظروفه الداخلية والخارجية، ولذلك فإن تحويل الخطأ إلى مفهوم مزدوج المعايير، يُغتفر لأحد ويُدان للآخر بشكل مطلق، هو في جوهره ظلم للفكرة نفسها قبل أن يكون ظلمًا للشخص.
ومن المدهش أن كثيرًا من الأحكام التي نُمارسها في حياتنا اليومية لا تنبع من عدل مطلق، بل من ميراث طويل من العادات والتصورات التي تم ترسيخها عبر الزمن، حتى أصبحت تبدو وكأنها حقائق، رغم أنها في أصلها مجرد اجتهادات بشرية قابلة للمراجعة، وهنا تحديدًا تظهر أهمية أن نعيد النظر في فكرة “الخطيئة الذكورية” و“الخطيئة الأنثوية”، لأن هذه الثنائية لا تعكس عدالة، بل تعكس رؤية غير مكتملة للإنسان.
فالإنسان في النهاية ليس رجلًا يُغفر له لأنه رجل، ولا امرأة تُدان لأنها امرأة، بل هو كيان واحد يُقاس بفعله ووعيه ومسؤوليته وصدقه مع نفسه ومع الآخرين، وإذا كان هناك معنى حقيقي للعدالة، فهو ذلك الذي لا يتغير بتغير الشكل الخارجي للإنسان، بل يثبت أمام الفعل ذاته مهما كان صاحبه.
اقرأ أيضاً
اشرف محمدين يكتب:-حين يسقط الكبار… لا يكون السقوط في النتيجة فقط، بل في التفاصيل التي سبقتها
اشرف محمدين يكتب:-الوعد - عندما يكون الكلام أثقل من العقود
اشرف محمدين يكتب:-البطل لا يُصنع بالصدفة… بل يُبنى بعقلية لا تعرف التنازل
اشرف محمدين يكتب :-بين سارق و مسروق - الحب من إحساس عابر إلى حالة وجود
اشرف محمدين يكتب:-العدالة الغائبة - حين تتحكم الأهواء و العناد
اشرف محمدين يكتب:-ثقافة الاعتذار - حين يصبح الانتصار هزيمة
اشرف محمدين يكتب :-الإدارة الرياضية - حين تصبح القيادة توازنًا بين قوة القرار وحكمة الروح
اشرف محمدين يكتب :-الإدارة الرياضية - حين تصبح القيادة توازنًا بين قوة القرار وحكمة الروح
اشرف محمدين يكتب:-من رُزق قلبًا يُحبه - فلا يُفرّط، فبعض القلوب لا تتكرر
اشرف محمدين يكتب «حين تختلف الوجوه… ويبقى السؤال: أي منتخب نريد؟»
اشرف محمدين يكتب:-حين انقسمت المدرجات… هل انقسم الوطن؟
اشرف محمدين يكتب : « الغيرة الصامتة بين الأزواج الناجحين »
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن يبدأ في تصنيف الأخلاق وفق الهوية بدل السلوك، لأن ذلك يخلق مساحات غير مرئية من التبرير غير العادل، ويُنتج وعيًا مزدوجًا لا يرى الفعل بقدر ما يرى صاحبه، بينما العدالة الحقيقية لا بد أن تكون عمياء عن هذه الفروقات حين تحكم على الجوهر وفي نهاية هذا التأمل، يبدو أن القضية ليست في خطيئة تُنسب إلى رجل فتُخفَّف، أو تُنسب إلى امرأة فتُضاعف، بل في الطريقة التي اختار بها البشر أن ينظروا إلى بعضهم البعض عبر طبقات من الأحكام الجاهزة التي تراكمت حتى غطّت على جوهر العدالة نفسها، فصار الفعل الواحد يُعاد تفسيره وفق هوية فاعله، لا وفق طبيعته أو أثره أو نواياه، وكأننا أمام عالمين مختلفين من القيم، بينما الحقيقة أن الإنسان واحد في ضعفه، واحد في قدرته على الخطأ، وواحد أيضًا في حاجته الدائمة إلى الفهم قبل الإدانة.
إن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا يمكن أن تُبنى على ميزان يميل بحسب من يقف أمامه، لأن العدالة حين تفقد حيادها تتحول من قيمة سامية إلى أداة غير واعية لإعادة إنتاج الظلم، حتى وإن ارتدى هذا الظلم ثوب العادات أو التقاليد أو الموروث الاجتماعي، ولذلك فإن أخطر ما في فكرة “الخطيئة الذكورية” و“الخطيئة الأنثوية” ليس في معناها الظاهر فقط، بل في قدرتها على تكريس وهم أن الأخلاق يمكن أن تتجزأ، وأن الإنسان يمكن أن يُحاسب بمعايير مختلفة رغم أن الفعل ذاته لا يتغير.
وحين نصل إلى هذا العمق من الفهم، ندرك أن المسألة ليست دفاعًا عن طرف ضد طرف، ولا انحيازًا لجنس ضد آخر، بل هي محاولة لاستعادة ميزان أكثر نقاءً، ميزان يرى الإنسان كإنسان، ويزن الفعل بحد ذاته دون أن يسمح للانطباع أن يسبق الحقيقة، ودون أن يمنح الهوية سلطة تحريف المعنى.
ربما يكون النضج الحقيقي للمجتمعات هو تلك اللحظة التي تتوقف فيها عن سؤال: من فعل؟ بقدر ما تبدأ في سؤال أكثر عدلًا وعمقًا: ماذا فُعل؟ وما أثره؟ وما دوافعه؟ وما الإنسان الذي يقف خلفه؟ لأن الإجابة عن هذه الأسئلة هي وحدها التي تُعيد للعدالة معناها، وللإنسان كرامته، وللفكرة صفاءها الأول قبل أن تمتد إليها يد التفسير المنحاز.
وفي النهاية، يبقى الإنسان مسؤولًا عن أفعاله، لا عن جنسه، ويبقى الخطأ خطأً مهما كان مصدره، ويبقى العدل الحقيقي هو ذلك الذي لا يتغير ملامحه حين يتغير صاحب الفعل، لأن القيم التي تتبدل بتبدل الأشخاص ليست قيمًا، بل مجرد انعكاسات لرؤية لم تكتمل بعد










