السبت 20 يونيو 2026 12:09 مـ 4 محرّم 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب « بين العدل والفضل- سر السعادة الزوجية »

اشرف محمدين
اشرف محمدين

بين العدل والفضل - سر السعادة الزوجية

كثيرًا ما نسمع من يتحدث عن الحقوق والواجبات داخل الحياة الزوجية، وعن ضرورة أن يحصل كل طرف على حقه كاملًا غير منقوص، وكأن الزواج معادلة حسابية دقيقة، أو عقد شراكة تجارية يراجع فيه كل طرف كشف الحساب آخر كل يوم ليرى كم أعطى وكم أخذ، وكم قدم وكم حصل في المقابل. ورغم أهمية الحقوق والواجبات في تنظيم الحياة بين الزوجين، إلا أن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن الزواج لا يعيش طويلًا بالعدل وحده، بل يعيش بالفضل والرضا.

فالعدل قيمة عظيمة، لكنه يمثل الحد الأدنى الذي تستقيم به العلاقات، أما الفضل فهو القيمة التي تمنحها الدفء والروح والجمال. فالعدل أن تعطي شريك حياتك ما عليه من حقوق، أما الفضل فهو أن تمنحه شيئًا من الحب فوق الواجب، ومن التسامح فوق الاستحقاق، ومن الصبر فوق ما تفرضه القواعد الجامدة للحياة.

ولعل في قول الله تعالى: “ولا تنسوا الفضل بينكم” رسالة عميقة تتجاوز حدود العلاقة الزوجية إلى كل العلاقات الإنسانية، لكنها تبدو أكثر إشراقًا داخل الأسرة، لأن البيت الذي يحكمه منطق الحسابات وحده يتحول مع الوقت إلى ساحة للمراجعات والاعتراضات والعتاب المستمر، بينما البيت الذي يسكنه الفضل يصبح أكثر قدرة على تجاوز الأخطاء والهفوات والنقص الطبيعي الموجود في كل البشر.

فالزوجة ليست ملاكًا لا يخطئ، والزوج ليس إنسانًا كاملًا لا يقصر، وكل طرف يحمل داخله نقاط قوة ونقاط ضعف، ولحظات تألق ولحظات تعثر، ومن يبحث عن الكمال في شريك حياته سيقضي عمره كله باحثًا عن شيء لا وجود له. أما من يبحث عن الرضا فسوف يرى الصورة كاملة، لا الجزء الناقص منها فقط، وسينظر إلى الإنسان بعين المحبة لا بعدسة التفتيش.

إن الرضا الزوجي لا يعني تجاهل الأخطاء، ولا يعني التنازل عن الكرامة أو القبول بالظلم، وإنما يعني أن ينظر كل طرف إلى الآخر بعين الإنصاف والمودة، فيرى جهوده قبل أن يرى تقصيره، ويرى حسناته قبل أن يتوقف طويلًا عند عيوبه. فكم من زوجة تبذل جهدًا صادقًا لإسعاد بيتها وأسرتها رغم ما تتحمله من مسؤوليات وضغوط، وكم من زوج يسعى بكل ما يملك لتوفير حياة كريمة لأسرته رغم ما يواجهه من أعباء وتحديات، لكن الطرف الآخر أحيانًا لا يرى إلا ما لم يحدث وينسى كل ما حدث بالفعل.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، حين يتحول الزواج إلى لجنة مراجعة دائمة، يجلس فيها كل طرف ممسكًا بدفتر ملاحظاته، يحصي ما قدمه وما أخذه، وما فعله وما لم يفعله الآخر، فتضيع المودة بين الأرقام، ويختنق الحب تحت ثقل المقارنات، ويتحول الشريك من رفيق عمر إلى مشروع تقييم مستمر.

والحقيقة أن الزواج الناجح ليس هو الزواج الذي تتساوى فيه كل الأمور بنسبة مائة بالمائة، لأن الحياة نفسها لا تسير بهذه الدقة الجامدة، وإنما هو الزواج الذي يشعر فيه كل طرف بالرضا عن نوايا الآخر وجهوده ومحاولاته الصادقة لإسعاده. فقد يعطي أحدهما أكثر في مرحلة من مراحل الحياة، ثم يحتاج في مرحلة أخرى إلى أن يأخذ أكثر مما يعطي، وهكذا تستمر الرحلة بين الأخذ والعطاء وفق ظروف الأيام وتقلبات العمر وتغير الأحوال.

ولو تأملنا الأزواج الذين استطاعوا أن يعيشوا معًا سنوات طويلة في مودة واستقرار، لوجدنا أن سر نجاحهم لم يكن خلو حياتهم من المشكلات أو الخلافات، بل قدرتهم على تجاوزها بروح الرضا والتسامح، وإدراكهم أن الإنسان يُحب بمجموع صفاته، لا بصفاته المثالية فقط، وأن العيوب التي يمكن احتمالها لا ينبغي أن تُفسد جمال المزايا الكثيرة التي نراها كل يوم.

لقد أصبح البعض اليوم يبحث عن شريك حياة بلا أخطاء، وعن علاقة بلا تقصير، وعن زواج تتحقق فيه كل التوقعات، بينما الواقع يقول إن السعادة الزوجية لا يصنعها الكمال، وإنما يصنعها الرضا. فالبيوت لا تهدمها العيوب الصغيرة بقدر ما يهدمها التركيز المستمر عليها، ولا تبنيها الإمكانيات الكبيرة بقدر ما يبنيها الامتنان لما هو موجود بالفعل. ليبقى أجمل ما يمكن أن يقدمه الزوجان لبعضهما البعض ليس الكمال، فالكمال لله وحده، وليس المساواة المطلقة في كل التفاصيل، فذلك أمر يصعب تحقيقه في أي علاقة إنسانية، وإنما الرضا الصادق الذي يجعل كل طرف يقول للآخر: أعلم أنك لست كاملًا، وأعلم أن لديك بعض أوجه القصور، لكنني أرى قلبك، وأقدر جهدك، وأشعر بصدق محاولاتك لإسعادي، ولذلك فأنا راضٍ عنك.

فبين العدل والفضل مساحة واسعة اسمها الرضا، وفي هذه المساحة تحديدًا يسكن الحب الحقيقي، وتزدهر المودة، وتلين القلوب، وتستمر الحياة الزوجية جميلة رغم كل ما فيها من تحديات، لأن البيوت لا تحفظها الحقوق وحدها، بل يحفظها الفضل، ويزينها الرضا، وتدفئها الرحمة. و في النهاية، تبقى الحقيقة التي يكتشفها الأزواج السعداء بعد سنوات طويلة من العِشرة أن الحياة الزوجية ليست منافسة على من أعطى أكثر أو من أخذ أقل، وليست ميزانًا دقيقًا تُوزن عليه الحقوق والواجبات كل يوم، وإنما رحلة إنسانية طويلة يسير فيها قلبان يتعثران أحيانًا ويصيبان أحيانًا أخرى، لكنهما يظلان متمسكين بالمودة والرحمة والفضل. فحين يرضى الزوج عن زوجته رغم بعض ما يراه من نقص، وترضى الزوجة عن زوجها رغم بعض ما تراه من تقصير، ويشعر كل منهما بصدق نية الآخر وحرصه على إسعاده، تتحول العيوب إلى تفاصيل صغيرة، وتصبح الخلافات مجرد محطات عابرة لا تهدم بيتًا ولا تقتل حبًا. لذلك لم تكن السعادة الزوجية يومًا في البحث عن شريك كامل، بل في الرضا عن شريك صادق، ولم يكن سر نجاح البيوت في كثرة الحقوق المكتوبة، بل في وفرة الفضل الذي يسكن القلوب، فكلما زاد الرضا بين الزوجين، اتسعت مساحة الحب، وازدادت المودة، وأصبح البيت أكثر دفئًا وأمانًا واستقرارًا، مهما كانت تحديات الحياة وتقلبات الأيام.

اشرف محمدين المقالات

مواقيت الصلاة

السبت 12:09 مـ
4 محرّم 1448 هـ 20 يونيو 2026 م
مصر
الفجر 03:08
الشروق 04:54
الظهر 11:57
العصر 15:32
المغرب 18:59
العشاء 20:33