اشرف محمدين بكتب «الي الأرجنتين - بالاحترام و ليس بالخوف »
هناك انتصارات تُضيف ثلاث نقاط إلى رصيدك… وهناك انتصارات تُضيف سنوات من الثقة إلى تاريخك… وهناك انتصارات أخرى لا يُقاس حجمها بالنتيجة، وإنما بما تتركه داخل النفوس من إيمان بأن المستحيل ليس إلا كلمة يرددها من توقف عن الحلم.
ما حققه منتخب مصر بالأمس لم يكن مجرد عبور إلى الدور التالي، ولم يكن مجرد فوز يُسجل في كتب الإحصاءات، بل كان رسالة قوية إلى الجميع بأن الكرة المصرية لا تزال قادرة على أن تُدهش العالم عندما تمتلك الإصرار، وتلعب بروح الجماعة، وتؤمن بأن قيمة القميص الذي ترتديه أكبر كثيرًا من أسماء اللاعبين الذين يقفون أمامك. لقد رأينا منتخبًا يقاتل على كل كرة، ويتعامل مع كل دقيقة وكأنها الأخيرة، ويرفض الاستسلام مهما كانت الضغوط، حتى جاءت اللحظة التي استحق فيها أن يفرح شعب كامل، لا لأنه انتصر فقط، ولكن لأنه أعاد إلينا شعورًا افتقدناه طويلًا… شعور أن منتخب مصر يستطيع أن يقف بين الكبار دون أن ينحني.
هذا الجيل يستحق التحية، والجهاز الفني يستحق الإشادة، لأنهما نجحا في إعادة بناء أهم شيء في كرة القدم… وهو الثقة. فالموهبة وحدها لا تكفي، والخطط وحدها لا تكفي، والإعداد البدني وحده لا يكفي، إذا دخل اللاعب إلى الملعب وهو مقتنع أن الطرف الآخر أكبر منه، وأن أقصى ما يمكن تحقيقه هو الخروج بصورة مشرفة. أما عندما يتغير هذا التفكير، فإن المباراة نفسها تتغير، ويصبح كل شيء ممكنًا.
واليوم، تبدأ الجماهير في الحديث عن المباراة المقبلة أمام الأرجنتين، ويبدأ البعض في توزيع بطاقات التأهل قبل أن تُطلق صافرة البداية، وكأن كرة القدم أصبحت علمًا دقيقًا لا يعرف المفاجآت، بينما الحقيقة أن أعظم ما منح هذه اللعبة سحرها أنها لا تعترف بالأسماء، ولا بقيمة اللاعبين في سوق الانتقالات، ولا بعدد البطولات الموجودة في خزائن المنتخبات، وإنما تعترف فقط بما يحدث فوق المستطيل الأخضر، خلال تسعين دقيقة، قد تبتسم فيها الكرة لمن يؤمن بنفسه أكثر ممن يملك التاريخ.
اقرأ أيضاً
اشرف محمدين يكتب « عندما تصبح الطمأنينة - بداية الإهمال»
اشرف محمدين يكتب:-تسعون دقيقة… قد تغيّر تاريخ جيل كامل
اشرف محمدين يكتب :-لأن القلوب لا تُعوَّض - تمسّك بمن يشبه روحك
اشرف محمدين يكتب:-شخصية المنتخب - فرضت نفسها
اشرف محمدين يكتب « بين العدل والفضل- سر السعادة الزوجية »
اشرف محمدين يكتب:-البطولة التي تُحسم قبل نزول اللاعبين إلى الملعب
اشرف محمدين يكتب «الرجل السيجما - يزيد الجميلة جمالا و بريقا »
اشرف محمدين يكتب « الميسر - حين يرتدي بدلة »
اشرف محمدين يكتب « من يجعلك أوّل اهتمامه - يستحق أن يكون كل اهتماماتك »
اشرف محمدين يكتب:-باريس سان جيرمان - الهيمنة الناعمة في كرة القدم الحديثة
اشرف محمدين يكتب:-من اعتاد أن يتجاوز أحزانه بمفرده - لن يُرهقه رحيل أحد
اشرف محمدين يكتب : «الرحيل - ليس دائمًا كُرها - قد يكون وجعا »
نعم… الأرجنتين منتخب كبير، يمتلك مدرسة كروية عريقة، ولاعبين من أعلى طراز، ويستحق كل احترام، ولكن الاحترام شيء، والخوف شيء آخر. فالاحترام يمنحك التركيز، أما الخوف فيسلب منك شخصيتك، والمنتخبات الكبيرة لا تُهزم عندما ينظر إليها المنافس باعتبارها أسطورة لا تُمس، وإنما تُهزم عندما تجد أمامها فريقًا يلعب بشجاعة، ويؤمن أن المباراة تبدأ من الصفر، وأن التاريخ يبقى خارج الملعب حتى يطلق الحكم صافرة البداية.
ولو عدنا إلى تاريخ كأس العالم، لوجدنا أن أكثر الصفحات جمالًا لم تكتبها المنتخبات المرشحة، وإنما كتبتها تلك الفرق التي رفضت الاعتراف بما كانت تقوله التوقعات، وآمنت أن كرة القدم لا تُلعب على الورق، وأن الأحلام لا تحتاج إلى إذن من أحد حتى تتحول إلى واقع. كم من منتخب كبير عاد إلى بلاده مبكرًا، وكم من منتخب لم يكن أحد يراهن عليه أصبح حديث العالم، لأن لاعبيه دخلوا المباراة بعقلية تقول: لماذا لا؟
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى لاعبينا قبل مواجهة الأرجنتين. لا يدخل أحد إلى الملعب وهو يفكر في اسم المنافس، ولكن ليفكر في اسم بلده المكتوب فوق صدره. لا يدخل أحد وهو يبحث عن قميص لاعب عالمي بعد المباراة، وإنما يبحث عن لحظة يخلدها التاريخ، ويصنع بها ذكرى لا ينساها ملايين المصريين. فالمباريات الكبيرة لا تصنعها الأقدام فقط، وإنما تصنعها أيضًا العقول التي ترفض الاستسلام، والقلوب التي تؤمن بأن لكل مجتهد نصيبًا.
لقد سرق منتخب مصر بالأمس قلوب المصريين، وأعاد إلينا متعة الانتظار، وجعل ملايين البيوت تتحدث مرة أخرى عن المنتخب بحماس وفخر وأمل، وهذه في حد ذاتها قيمة لا تُقدر بثمن. واليوم لم يعد أحد يطلب المستحيل، ولم يعد أحد يطالب اللاعبين بأكثر من أن يقدموا كل ما لديهم، وأن يخرجوا من الملعب وهم يعلمون أنهم لم يبخلوا بنقطة عرق واحدة، لأن الجماهير المصرية تغفر الخسارة بعد القتال، لكنها لا تغفر الاستسلام قبل القتال. و في النهاية - سواء انتهت مباراة الأرجنتين بفوزٍ لمصر، أو بخروجٍ مشرّف، أو حتى بخسارة، فهناك حقيقة لن يستطيع أحد أن ينتزعها من هذا الجيل، وهي أنه أعاد إلينا شيئًا كان أخطر من أي بطولة… أعاد إلينا الإيمان. لقد أثبت بالأمس أن اللاعب المصري قادر على أن يقف في مواجهة الكبار بعقلٍ حاضر، وقلبٍ شجاع، وروحٍ لا تعرف الاستسلام، وأن المستحيل ليس قدرًا مكتوبًا، بل فكرةٌ يصدقها البعض ويرفضها آخرون. واليوم، ونحن نستعد لمواجهة أحد أعظم منتخبات العالم، لا نطلب معجزة، ولا نبحث عن بطولة في عناوين الصحف قبل أن تبدأ المباراة، وإنما نطلب أن يدخل لاعبونا الملعب وهم يحملون نفس الروح التي صنعت إنجاز الأمس، وأن ينظروا إلى شعار مصر على صدورهم قبل أن ينظروا إلى أسماء من يقفون أمامهم. فالتاريخ لا يخلّد من خاف، وإنما يخلّد من حاول، ومن قاتل، ومن آمن حتى اللحظة الأخيرة.
اذهبوا إلى الأرجنتين بكل الاحترام الذي يليق ببطل كبير… ولكن لا تحملوا معكم ذرة خوف واحدة. العبوا وكأنكم تمثلون أحلام ملايين المصريين الذين عادوا بالأمس ليؤمنوا بكم من جديد، واتركوا فوق أرض الملعب كل ما لديكم، لأن بعض المباريات قد تمنحك بطاقة عبور إلى الدور التالي، لكن هناك مباريات أخرى تمنحك مكانًا دائمًا في ذاكرة وطن. وربما… وربما فقط… تكون المباراة القادمة هي تلك الليلة التي يقرر فيها التاريخ أن يبتسم لمصر، وأن يثبت مرة أخرى أن كرة القدم لا تعترف إلا بمن يجرؤ على الحلم… ولذلك، سنذهب إلى الأرجنتين كما يليق بالمصريين… بالاحترام… وليس بالخوف










