الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 12:48 مـ 18 ربيع أول 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب : « كلوب في ألمانيا.. الرجل الذي جاء ليعيد للمانشافت شخصيته »

أخبار مصر 2050

لم يكن اختيار يورجن كلوب لتولي قيادة المنتخب الألماني مجرد قرار فني اتخذه الاتحاد الألماني بحثًا عن مدرب جديد، وإنما يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة بناء شيء أكبر من التشكيل والخطة وطريقة اللعب، شيء يتعلق بشخصية المنتخب نفسه، وبالروح التي جعلت ألمانيا لسنوات طويلة واحدة من أكثر القوى احترامًا وهيبة في كرة القدم العالمية.

ألمانيا لم تكن يومًا مجرد منتخب يملك مجموعة من اللاعبين الموهوبين، وإنما كانت دائمًا تمتلك شخصية خاصة، شخصية الفريق الذي قد لا يكون الأفضل في كل لحظة، لكنه يعرف كيف يبقى واقفًا عندما يسقط الآخرون، وكيف يحول المباريات الصعبة إلى معارك، وكيف يظل مؤمنًا بقدرته على العودة حتى عندما تبدو الأمور وكأنها انتهت.

لكن هذه الشخصية تراجعت بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، ولم تعد ألمانيا هي تلك الماكينة التي يخشاها الجميع في البطولات الكبرى، حتى أصبح الخروج المبكر من البطولات أمرًا متكررًا، وفقد المنتخب جزءًا من صورته التاريخية التي كانت تجعله دائمًا مرشحًا للمنافسة على اللقب.

وجاء خروج ألمانيا من كأس العالم 2026 أمام باراجواي ليؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد أزمة نتائج عابرة، وإنما أصبحت أزمة تحتاج إلى إعادة بناء حقيقية، وهو ما جعل قرار التعاقد مع يورجن كلوب يبدو منطقيًا إلى حد كبير، ليس فقط بسبب اسمه الكبير، ولكن بسبب طبيعة الشخصية التي يمتلكها، وهي الشخصية التي تحتاجها ألمانيا في هذه المرحلة تحديدًا

كلوب ليس مدربًا يبحث عن فريق يؤدي كرة قدم جميلة فقط، ولا هو رجل يرضى بأن يكون فريقه حاضرًا في الملعب من أجل استكمال المباراة، وإنما هو مدرب يريد فريقًا يقاتل، يضغط، يركض، يهاجم، يتحمل المسؤولية، ويؤمن حتى اللحظة الأخيرة بأن المباراة لم تنتهِ.

وهذه واحدة من أهم الصفات التي صنعت نجاحه في بوروسيا دورتموند وليفربول.

كلوب عندما تولى دورتموند لم يكن أمامه فريق مكتمل الأركان، لكنه نجح في صناعة مجموعة تؤمن بفلسفته، وتحولت مع الوقت إلى فريق قادر على منافسة بايرن ميونخ ثم التفوق عليه، وحصد الألقاب والوصول إلى نهائي دوري أبطال أوروبا.

وفي ليفربول كانت المهمة أكثر تعقيدًا، لأن النادي كان يبحث منذ سنوات عن العودة إلى مكانته الطبيعية، فجاء كلوب ولم يقدم مجرد فريق جديد، وإنما أعاد للنادي شخصيته، وأعاد للجماهير إيمانها بأن فريقها قادر على المنافسة في أعلى المستويات، حتى انتهى الأمر بالفوز بدوري أبطال أوروبا ثم الدوري الإنجليزي، في واحدة من أعظم مراحل تاريخ النادي الحديث.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية وجوده مع ألمانيا.

المنتخب الألماني لا يحتاج فقط إلى مدرب يعرف كيف يرسم 4-3-3 أو 4-2-3-1، ولا يحتاج إلى شخص يجيد قراءة الخصوم وحساب المساحات، لأن هذه الأمور أصبحت من أساسيات كرة القدم الحديثة، لكنه يحتاج إلى مدرب يستطيع أن يعيد للاعب الألماني الشعور بأنه جزء من شيء أكبر منه، وأن ارتداء قميص ألمانيا ليس مجرد مهمة دولية وإنما مسؤولية وتاريخ وقيمة.

وهذه مهمة يجيدها كلوب بصورة استثنائية.

فهو يمتلك شخصية قيادية واضحة، ولا يخشى المواجهة، ولا يتعامل مع الفشل باعتباره نهاية الطريق، وإنما باعتباره فرصة لمعرفة الأخطاء وتصحيحها، وهذه العقلية تحديدًا قد تكون أهم ما تحتاجه ألمانيا الآن.

كلوب لا يحب الهزيمة، والأهم من ذلك أنه لا يتقبل عقلية الاستسلام.

هو من نوعية المدربين الذين يريدون من اللاعب أن يركض حتى آخر ثانية، وأن يضغط حتى عندما تتعب ساقاه، وأن يؤمن بأن زميله يستطيع أن ينقذ الموقف، وأن الفريق لا يموت طالما أن المباراة لم تنتهِ.

وهذه ليست مجرد فلسفة تكتيكية، وإنما فلسفة حياة داخل الملعب.

ولذلك فإن نجاح كلوب مع ألمانيا لن يقاس فقط بعدد الانتصارات التي سيحققها في الفترة الأولى، وإنما بقدرته على إعادة تشكيل شخصية المنتخب، وعلى خلق حالة من المنافسة الحقيقية بين اللاعبين، وعلى جعل الانضمام إلى المنتخب الألماني حلمًا ومسؤولية وليس مجرد استدعاء رسمي إلى معسكر.

واللافت أن كلوب نفسه تحدث منذ تقديمه مدربًا للمنتخب عن رغبته في تطوير فريق يقاتل من أجل بعضه بعضًا، ويستمتع بكرة القدم،

وهنا تظهر نقطة أخرى شديدة الأهمية، وهي أن كلوب لا يأتي إلى المنتخب الألماني لكي يعيش على أمجاد الماضي.

هو يعرف أن ألمانيا لم تعد تستطيع أن تقول للاعبين الشباب: نحن أبطال العالم أربع مرات، وبالتالي عليكم أن تكونوا مثل الأجيال السابقة.

كرة القدم تغيرت، والمنتخبات تغيرت، والجيل الجديد له أفكاره وشخصيته، ولذلك فإن المطلوب ليس استنساخ ألمانيا القديمة، وإنما صناعة ألمانيا جديدة تحمل روح الماضي وتستخدم أدوات الحاضر.

وهذه ربما تكون أكبر تحديات كلوب.

عليه أن يجد التوازن بين الخبرة والشباب، وبين اللاعبين الذين عاشوا السنوات الصعبة والجيل الذي يريد أن يكتب صفحة جديدة، وأن يقنع الجميع بأن المنتخب ليس ملكًا لنجم أو مجموعة محددة، وإنما ملك للقميص الذي يرتديه الجميع.

كما أن كلوب أمام مهمة إعادة الثقة إلى الجماهير.

الجمهور الألماني لا يريد فقط أن يرى منتخبًا يفوز، وإنما يريد أن يرى منتخبًا يشبهه، منتخبًا يقاتل ولا يستسلم، منتخبًا يشعر اللاعبون من خلاله بأنهم يلعبون من أجل ملايين يقفون خلفهم.

وهذه نقطة يعرفها كلوب جيدًا، فقد صنع جزءًا كبيرًا من نجاحه في ليفربول من خلال العلاقة الاستثنائية التي بناها بين الفريق والجماهير.

ومن هنا يمكن أن يكون وجوده مع ألمانيا أكبر من مجرد مشروع رياضي.

المنتخب الألماني يمثل شيئًا خاصًا في وجدان الشعب الألماني، وكلوب نفسه أشار إلى أن المنتخب يستطيع أن يوحد الألمان بطريقة لا يستطيع كثير من الأشياء الأخرى القيام بها

لكن علينا في الوقت نفسه ألا نحمل كلوب أكثر مما يحتمل.

فهو ليس ساحرًا، ولن يستطيع خلال أشهر قليلة أن يعيد ألمانيا إلى القمة بمجرد وصوله، كما أن نجاحه التاريخي مع الأندية لا يعني بالضرورة أن نجاحه مع المنتخب سيكون مضمونًا، لأن كرة القدم الدولية مختلفة تمامًا عن كرة القدم على مستوى الأندية.

المدرب مع النادي يمتلك اللاعبين طوال الموسم، ويخوض معهم عشرات المباريات

وهنا أيضًا يمتلك كلوب ميزة مهمة.

إنه مدرب قادر على اختصار المسافات مع اللاعبين، وقادر على خلق حالة من الانتماء داخل المجموعة، وقادر على جعل اللاعب يشعر بأنه مهم، وفي الوقت نفسه قادر على أن يفرض معاييره بوضوح.

وهذه معادلة صعبة، لكنها واحدة من أسرار نجاحه.

لذلك أرى أن تعاقد ألمانيا مع يورجن كلوب يجب ألا يُقرأ باعتباره تعاقدًا مع مدرب كبير فقط، وإنما باعتباره محاولة لإعادة تعريف المنتخب الألماني من جديد.

ألمانيا لا تبحث عن مدرب يمنحها بعض الانتصارات، وإنما تبحث عن رجل يعيد إليها الإيمان بنفسها.

رجل يقول للاعبين إن القميص الألماني لا يعني أنك مطالب بأن تكون نسخة من مولر أو كلوزه أو لام أو شفاينشتايجر أو أي أسطورة أخرى، لكنه يعني أنك مطالب بأن تقدم أقصى ما تستطيع.

اشرف محمدين المقالات

مواقيت الصلاة

الثلاثاء 12:48 مـ
18 ربيع أول 1448 هـ 01 سبتمبر 2026 م
مصر
الفجر 04:02
الشروق 05:32
الظهر 11:55
العصر 15:29
المغرب 18:19
العشاء 19:39