السبت 5 سبتمبر 2026 02:42 مـ 22 ربيع أول 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب : « القلوب الطيبة لها نهاية »

أخبار مصر 2050

قد يأتي يوم على القلوب الطيبة… لا تحتمل فيه أي أعذار… حتى لو كانت صادقة

في رحلة العمر، تظل القلوب الطيبة هي الأكثر عرضة للخذلان، لأنّها تمنح بلا حساب، وتصدق بلا شروط، وتسامح بلا حدود. هذه القلوب تحمل في داخلها من النقاء ما يجعلها تبرّر للآخرين ضعفهم، وتغفر لهم زلّاتهم، وتتمسك بهم رغم الألم… وكأنها خُلقت لتحمي الجميع إلّا نفسها. لكنها — ورغم كل هذا الاتساع — ليست قلوبًا لا نهائية، وليست أرواحًا بلا طاقة… فالطيبة ليست درعًا من حديد، بل هي رِقّة بشرية لا تحتمل النزيف المستمر.

هناك لحظة فارقة تأتي بلا ضجيج، لحظة تغيّر كل شيء، لحظة ترفع فيها القلوب الطيبة يدها في صمت، وكأنها تقول: “كفى… لقد انتهت طاقتي على الاحتمال.”
لحظة لا تعود فيها الكلمات قادرة على إصلاح ما تهدّم، ولا الأعذار – مهما كانت صادقة – قادرة على مداواة الشروخ الكثيرة التي تراكمت عبر الزمن. فالقلب الطيب لا يغلق بابه بسهولة، لكن حين يفعل… يغلقه إلى الأبد.

القلوب الطيبة لا تتوقف عن الحب فجأة، ولا تنسحب دون سبب… بل هي قلوب تتعب.
تتعب من دفن مشاعرها حفاظًا على الآخرين.
تتعب من أنها دائمًا الطرف الذي يفهم ويتغاضى ويتسامح.
تتعب من وعود الإصلاح التي تتكرر ولا تتحقق.
تتعب من ذاتها قبل أن تتعب من الناس.

تصل إلى نقطة يصبح فيها الاعتذار – مهما كان جميلًا – محاولة متأخرة لإنقاذ ما لم يعد يصلح للإنقاذ. فالأعذار حين تأتي بعد الألم المتراكم لا تُشبه البلسم، بل تُشبه يدًا تحاول إغلاق باب أغلقه القلب نهائيًا بعد أن نزف كثيرًا.

القلب الطيب لا يصبح قاسيًا… لكنه يصبح أكثر وعيًا.
لا يتوقف عن الحب… لكنه يتوقف عن التضحية بنفسه.
لا يكره أحدًا… لكنه يختار نفسه أخيرًا بعد أن نسيها طويلًا.

وكأن الزمن يأتي في يوم معين ليقول لهذه القلوب:
“قد أديت دورك بما يكفي… والآن جاء وقت النجاة.”

ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة… مرحلة يتعلم فيها القلب أن الطيبة ليست استسلامًا، وأن التسامح ليس واجبًا، وأن المشاعر ليست ملعبًا مفتوحًا لمن يريد الرحيل والعودة كما يشاء. يتعلم أن يحمي نفسه، أن يرفع سقف احترامه لذاته، وأن يُغلق الأبواب التي تسببت له بالألم… حتى لو قال أصحابها أعذارًا صادقة، وحتى لو حاولوا الرجوع.

فالقلوب الطيبة لا تكره… لكنها تتعب.
ولا تنتقم… لكنها تنسحب.
ولا تجادل… لكنها تحسم.
وتعلم أن حفظ النفس أحيانًا أجمل من كل علاقات العالم.
في نهاية المطاف، يدرك القلب الطيب حقيقة مؤلمة:
أن الطيبة دون حدود تتحول إلى ضعف، وأن التسامح بلا نهاية يصبح استنزافًا، وأن التضحية المستمرة تُفقد الإنسان احترامه لنفسه قبل احترام الآخرين له. وحين يصل القلب إلى هذه الدرجة من الإدراك، يصبح الانسحاب فضيلة، والصمت حكمة، وإغلاق الأبواب حماية لا قسوة.

فالزمن لا يجوّر على القلوب الطيبة عبثًا… بل يُعيد تشكيلها كي تفهم أن الرحمة تبدأ من الداخل، وأن القوة ليست في احتمال الوجع بل في قول “لا” حين تنفد الطاقة، وفي الاعتراف بأن الروح التي تحمل العالم على كتفيها… تستحق أن يُحمل عنها ولو مرة واحدة.

وهكذا، تصبح القلوب الطيبة — بعد رحلة من الألم — أكثر حكمة، أكثر وعيًا، أكثر صلابة من الداخل، لكنها تظل كما هي:
بيضاء… شفافة… نقية…
فقط تعلمت أخيرًا أن تختار مَن يستحق ان يقترب منها
في آخر الطريق، تكتشف القلوب الطيبة أن الأعذار مهما بدت مُنمّقة أو صادقة، لا تمحو أثر الوجع الذي سكن الروح. فهناك لحظة فاصلة يصل إليها الإنسان، لحظة يصبح فيها التعب أثقل من الرغبة في الفهم، ويصبح الصمت أرحم من محاولة الاستيعاب. ليست قسوة، بل حماية للنفس التي أرهقها طول الصبر، وأتعبتها محاولات التماس الأعذار في كل مرة كانت تنتظر فيها كلمة، أو فعلًا يثبت أن المشاعر ما زالت تُحترم.

فالقلوب التي تعبت، لم تعد تبحث عن تبريرات ولا عن أسباب، بل تبحث عن أمان، عن صدق، عن علاقة لا تضطر فيها للدفاع عن حقها في الاهتمام. القلوب حين تُنهك، لا تغلق أبوابها عن العالم، لكنها تغلقها على من لم يفهم قيمتها… تغلقها بصمت يشبه حكمة السنين، وصبر العابرين الذين قرروا أخيرًا أن النجاة أهم من التعلق.

وفي النهاية، يدرك الإنسان أن الأعذار مهما صدقت… تأتي متأخرة على قلب لم يعد يحتمل الوعود. وأن الطيبة ليست دعوة للاستنزاف، بل نعمة لا تُعطى لمن يستهين بها. وأن القلب حين يصل إلى هذه المرحلة… فهو لا ينتقم، ولا يعاتب، ولا ينتظر شيئًا… فقط يختار السلام، ويمشي بخطوات هادئة بعيدًا عن كل مصدر وجع، وكأنه يقول للعالم كله:

أنا لم أتغيّر… أنا فقط تعلّمت كم يجب أن أحب نفسي.

المقالات اشرف محمدين

مواقيت الصلاة

السبت 02:42 مـ
22 ربيع أول 1448 هـ 05 سبتمبر 2026 م
مصر
الفجر 04:05
الشروق 05:34
الظهر 11:54
العصر 15:27
المغرب 18:14
العشاء 19:33